إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ١٠٩١ - (٣) إعراب القرآن
و كان القرآن كتاب المسلمين الذي يجمع لهم عقيدتهم في طهر و نقاء.
و كان القرآن كتاب العرب الذي يجمع لهم لسانهم في بيان معجز.
و كان بهذين شغل المسلمين الشاغل، إنكفأوا عليه يستنبطون منه ما يمس العقيدة و ما يمس اللغة، و كانت لهم في ظل هذين علوم كثيرة دينية و لغوية.
و كان النحو عماد هذه العلوم كلها، نشأ في ظل علم التفسير، الذي كان أول علم قرآني، و ما نظن النحو تخلف عنه كثيرا، بل قد يعد النحو أسبق من التفسير، إذا نظرنا إليهما علمين لا محاولتين.
فلقد نشأ التفسير محاولات مع الخلفاء الراشدين و نفر من الصحابة منهم ابن عباس و أنس بن مالك و زيد بن ثابت، و كان آخرهم وفاة عبد اللّه بن الزبير الذي كانت وفاته سنة ٧٣ هـ. و لقد قضوا هؤلاء جميعا نحبهم و لم يكن التفسير قد استوى علما و لم يتم له ذلك إلاّ مع أوائل القرن الثاني الهجري.
على حين أخذ النحو يبرز إلى الحياة علما أيام أبي الأسود الدؤلي الذي كانت وفاته سنة ٦٩ هـ. و إذا كان علم النحو هو عماد العلوم القرآنية، فالإعراب هو خلاصته، لا يملك زمام النحو متعلم إلاّ إذا ملك الإعراب، و إلاّ وقف عند حد الاستظهار و لم يتجاوزه إلى التطبيق الذي هو ثمرة العلم. و العيب الذي لحق هذا الفن الإعرابي من الإسراف فيه لا يصح أن يفوق الأخذ به، فمع كل تطبيق إسراف. و لولا هذا الإسراف لم يكن هذا الذي مكث مما ينفع الناس.
و الناس مع الجهل و التخلف أضيق ما يكونون بما يردهم عن خطأ و يبصرهم بصواب، من أجل ذلك عاشت فنون الكلام كلها عصر التخلف تعاني أزمات جساما، و كنا على الطريق بعلومنا كمن يحمل أثقالا، كلما أحس كلالا ألقى بثقل، حتى إذا ما أدرك آخر المطاف لم يجد مما يحمل شيئا.
و هكذا كنا حين أدركت البلبلة ألسنتنا و تورطنا في جهالة أخذنا نلقي عن كواهلنا علوم العربية علما علما، فحذفنا من مناهجنا البلاغة، و خطونا إلى النحو نمحوه، و كدنا بعده نخطو إلى اللغة نزيفها لولا رحمة من اللّه ردت الناس من غي إلى رشد.
(٣) إعراب القرآن
و هذا الفن الإعرابي الذي نشأ مع النحو و في جملته أخذ يستقل، و كان استقلاله في