إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ٨٥٧ - الباب المتم السبعين
فأما قوله: (وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) [١] ، فقد تكلمنا فيه غير مرة فى كتب شتى.
قال أبو على: ينبغى أن يكون قوله «أو من وراء حجاب» إذا جعلت «وحيا» على تقدير «أن يوحى» ، كما قال الخليل، ما لم يجز أن يكون على «أن» الأولى من حيث فسد فى المعنى، يكون «من وراء حجاب» على هذا متعلق بفعل محذوف فى تقدير العطف على الفعل الذي يقدّر صلة لـ «أن» الموصولة بـ «يوحى» ، و يكون ذلك الفعل «يكلم» ، و تقديره: ما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلاّ أن يوحى إليه أو يكلم من وراء حجاب، فحذف «يكلم» لجرى ذكره أولا، كما حذف الفعل فى قوله: (كَذََلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ) [٢] لجرى ذكره، و المعنى: /كذلك أنزلناه، و كما حذف فى قوله: (آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ) [٣] .
قيل: و المعنى، الآن آمنت، فحذف حيث كان ذكر «آمنت» قد جرى.
و هذا لا يمتنع حذفه من الصلة، لأنه بمنزلة المثبت، و قد تحذف من الصلة أشياء للدلالة.
و لا يجوز أن يقدر تعلق «من» من قوله «من وراء حجاب» إلا بهذا، لأنك إن قدرت تعلّقه بغيره فصلت بين الصلة و الموصول بأجنبى؛ و لا يجوز أن يقدر فصل بغير هذا، كما قدر فى «أو» فى قوله: (إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً) [٤] لأن هذا اعتراض يسدد ما قبله، و أنت إذا قدرت «أو من وراء حجاب» متعلقا بشىء آخر كان فصلا بأجنبى، إذ ليس هو مثل الاعتراض الذي يسدد.
و أمّا من رفع فقال: «أو يرسل رسولا» ، فينبغى أن يكون قوله «أو من
[١] الشورى: ٥١.
[٢] الفرقان: ٣٢.
[٣] يونس: ٩١.
[٤] الأنعام: ١٤٥.