إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ٨٥٦ - الباب المتم السبعين
الباب المتم السبعين
هذا باب ما جاء في التنزيل حمل فيه ما بعد إلاّ على ما قبله، و قد تم الكلام فمن ذلك قوله تعالى: (وَ مََا نَرََاكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ اَلَّذِينَ هُمْ أَرََاذِلُنََا بََادِيَ اَلرَّأْيِ) [١] . فـ «بادى» الرأى، منصوب بقوله «اتبعك» ، و هم لا يجيزون:
ما أعطيت أحدا درهما إلاّ زيدا دينارا، و جاز ذا هاهنا؛ لأن «بادى» ظرف، و الظرف تعمل فيه رائحة الفعل.
و قيل: هو نصب على المصدر، أي: ابتداء الرأى.
قلت: و ذكر الأخفش هذه المسائل و فصّل فيها، فقال: لو قلت:
أعطيت القوم الدراهم إلاّ عمرا الدرهم، لم يجز، و لكن يجوز فى النفي:
ما أعطيت القوم الدراهم إلاّ عمرا الدرهم، فيكون ذلك على البدل؛ لأن البدل لا يحتاج إلى حرف، فلا يعطف بحرف واحد شيئان منفصلان، و كذلك سبيل «إلا» .
و مثله: (وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ إِلاََّ رِجََالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) [٢] ، إلى قوله:
(بِالْبَيِّنََاتِ وَ اَلزُّبُرِ) [٣] ، حمله قوم على «من قبلك» ، لأنه ظرف، و حمله آخرون على إضمار فعل دل عليه «أرسلنا» .
و مثله: (مََا أَنْزَلَ هََؤُلاََءِ إِلاََّ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ بَصََائِرَ) [٤] ، فـ «بصائر» حال من «هؤلاء» ، و التقدير: ما أنزل هؤلاء بصائر إلاّ رب السموات و الأرض، جاز فيه ذا لأن الحال تشبه الظرف من وجه.
ـ
[١] هود: ٢٧.
(٣-٢) النحل: ٤٣، ٤٤.
[٤] الإسراء: ١٠٢.