الفوائد الجعفرية - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٧٠ - الفائدة السادسة عشرة (قبول ولاية الجائر)
سلطنته و حلية ما يؤخذ منه و دفع الضريبة إليه دون غيره و عدم توقف الحلية على إذن غيره مطلقا و عدم جواز الدفع لغيره من دون إذنه و إن حرم عليه التصرف و قبض الخراج غير أنه بعد أن أحرز السلطنة و دفع بالقوة القاهرة الحق عن أهله بسوء اختياره أمضى الشارع تصرفه و انقلب الحكم و صار ذلك إليه، و إن كان حراما عليه يحاسب به حسابا نكرا، و لأجل ظهور النصوص و كلمات الأصحاب في ذلك ترقى البعض فحكم بحلية ما يأخذه السلطان لأنه كالجعل على حماية بيضة الإسلام.
و بالجملة التدبر في النصوص و الفتوى و كلمات الأصحاب في أبواب متفرقة يشرف الفطن على الجزم بأن أمر الخراج و تقبيل الأرض الراجع أمرها إلى ولي الأمر هو السلطان الحافظ بجنوده الإسلام سواء في ذلك سلطان الحق و غيره المخالف و المؤالف و إن كان هو من مناصب الأول و حقا من حقوقه لكن بعد غصبه أمضى الشارع تصرف الغاصب المتغلب الحافظ للثغور، الحامي للإسلام عن الكفرة، الذي يخطب باسمه في الجمعة على المنابر، و في معاملة الأمير" (عليه السلام)" مع الخليفتين و الحسن" (عليه السلام)" مع معاوية و الأئمة (ع) مع الأمويين و العباسيين في القبض من الخراج و مداعاتهم بحقوقهم من بيت المال كما أن صحابة النبي (ص) و من بعدهم من الشيعة و المخالفين في زمن الأئمة (ع) إلى زماننا يتقبلون الأراضي من الحكام و يدفعون لهم المسمى مما كانوا وضعوه على الأرض و مثل الخراج الزكاة في بعض الأخبار و الفتاوى، لكن لعل بينهما فرق لمعلومية من يستحق الزكاة من أصناف الناس دون الخراج الذي أمره إلى الوالي و لا اعتراض لأحد عليه في القسمة و لا في تعيين المأخوذ و لا في كيفية التقبيل و لا بدع و لا غضاضة في إمضاء الشارع لتصرف الجائر في الأراضي و إرجاع أمر الخراج إليه بعد ما ثبت تولية أمير المؤمنين" (عليه السلام)" لمثل زياد و شريح و ابن عباس و غيرهم من عماله الذين أمضى صنيعهم و أذن لهم و استعملهم و فوض أمر الخراج إليهم لمصلحة حفظ الرعية و سياسة الملك فلا مانع عقلا و لا شرعا من إمضاء الشارع معاملة هذا المتغلب بسلطانه و إن عذبه عليه و على غيره و ليس هؤلاء إلا كولاية الأب و الجد على الصغير و ماله مع عدم إحراز أنهما يتصرفان بما يعود نفعه إلى الصغير أو بما يوافق الدين و الحكم الواقعي حتى مع عدم عدالتهما فإن الشارع نهى عن التصرف فيما يعود إلى المولى عليه بدون إذنهما و إن كان الحاكم و مثله ولاية الكتابي على ما له الولاية عليه و عدم جواز التصرف في ذلك إلا بإذنه، و هكذا و بعد التدبر في أحوال السلف الغابر يتضح لك ذلك أكمل الوضوح فلا وقع حينئذ لما يدعي من أن الشارع لم يمض من هذه المعاملة إلا حل ذلك للمنتقل إليه من الجائر لا لزوم الدفع له و ما أحسن ما عبر به الجد الكاشف غطاء الأحكام حيث قال: (و يقوى حرمة سرقة الحصة و خيانتها و الامتناع عن تسليم ثمنها بعد شرائها إلى الجائر و إن حرمت عليه و دخل تسليمها في الإعانة على الإثم في البداية أو الغاية لنص الأصحاب على ذلك و الإجماع عليه) انتهى.
و اقتفاه الوالد في" أنوار فقاهته" و أخواه و أحفادهما أفتوا به و لعلة الأوفق بمذاق الفقاهة إذ لا ريب في عدم جواز التصرف بمثل هذه الأراضي بلا أجرة إذ هي ملك للمسلمين فلا بد لها من منفعة تصرف في مصالحهم و اشتغال ذمة المتصرف بمثل هذه المنفعة لا شبهة فيه، و براءة ذمته موقوفة على حصول الرخصة من ولاة الأمر في دفع تلك الأجرة إلى فرد خاص فيدور الأمر بين دفعها للجائر الذي تقبل المستأجر الأرض منه المتغلب عليها