الفوائد الجعفرية - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٥٢ - التنبيه التاسع (في لزوم تقليد الأعلم)
ادعى خروج غيره فعليه الدليل و لا يفيده أصالة براءة الذمة من التعيين بعد أن احتاج إخراج غير المتيقن عن حكم العام إلى الدليل. و الحاصل أن متابعة الراوي للرواية و المقلد للمجتهد سيان و هما طريقان إلى الواقع فإذا تعارض الفتويان اشتبه الطريق و الحجة بغيره و الأصل يوجب التوقف، و هنا لا يمكن للإجماع فانحصر الأمر بالأخذ بالأرجح و لو احتمالا ثمّ التخيير بناء على ما ذكرنا أن استناد الجواز إلى الأصل مطلقا غير ممكن بل و لا معقول.
الرابع: الإطلاقات القاضية بأصل مشروعية التقليد من آية أو خبر؛ إذ ليس فيها للأخذ بقول الأعلم عين و لا اثر مع معلومية تفاوت الآراء و تفاوت العلماء مضافا إلى الأمر بالرجوع إلى مثل زرارة و أبان و الثقفي و العمري و يونس و زكريا بن آدم و عبد الحميد و أضرابهم و من البعيد تساويهم في الفضل و العلم فيخرج بهذه الإطلاقات عن حرمة العمل بما وراء العلم.
و فيه أن الشرط في التمسك بإطلاق المطلق كونه متواطئا لا مشككا و لا كذلك في المقام لحصول الظن الاطمئناني بأن أصحاب الأئمة (ع) زمن الحضور كمن ينقل عن المجتهد في نوابه لا اختلاف بينهم في الفتوى و لا معارضة؛ فإن حصل اشتباها رجعوا إلى الإمام" (عليه السلام)" فينصرف المطلق إلى الفرد الغالب و هم المفتون، و أين هم ممن لم يدرك زمن الحضور؟! لكثرة الاختلاف الواقع بينهم حتى أن المجتهد الواحد تتعدد فتاويه بتعدد كتبه، و سره البعد عن زمن الأئمة" (عليهم السلام)" و تشويش النصوص بالتحريف و الوضع و السقط و هو مفقود في عهد الأئمة (ع)؛ و لذا لم يحتاجوا إلى الفحص عن المعارضات، و من هنا اشتبه الأمر على الصدر العلوي فحكم بعدم لزوم الفحص. لا يقال أن المستفاد من الأخبار العلاجية خلاف ذلك لأنا نقول: إنا لم نجعله مستحيلا لكن حكمنا بندرته قبل و كثرته بعد، ثمّ لا ملازمة بين الاختلاف في الرواية و بين الاختلاف في الحكم و الفتوى و لو لا ذلك لما ادعى علم الهدى انفتاح باب العلم و لم يكذبه أحد فما هو إلا لقربه من زمن الأئمة (ع) و إمكان معرفة أقوالهم و تمييز موارد التقية فأصحابهم بطريق أولى، و أين هذا من الزمن المتعوس الذي خلا منهم ظاهرا؟! بحيث لا يمكن استنباط الحكم إلا بإعمال تمام النظر في اللوازم الخفية فإن ذلك قرينة واضحة على تنزيل المطلقات على فرض الدلالة على صورة الاتفاق في الفتوى و عليه فشمولها للمفضول مع تمام الجرأة للأخذ بقوله حيث لا يعلم بالخلاف مع أنه يحتمل قويا أن سياق هذه المطلقات لبيان أصل المرجع للعامي، و إنه أهل الذكر و ساكتة عن بيان كيفية الرجوع و تفاصيله عند تعارض المجتهدين و عدمه فإن آية السؤال و ما جرى مجراها غاية مفادها أن الجاهل يرجع إلى العالم، فالأمر فيها إرشادي كأوامر الطبيب فإنها لا تفيد إلا رفع التحير في المرجع لا رفع التحير الناشئ من الاختلاف و كيفية الترجيح أو التخيير فإن ذلك حكم آخر يحتاج إلى أمر آخر غير أمر مطلق الرجوع و كذا غيرها من المطلقات التي أفادت حجية قول المجتهد و لزوم الأخذ بها فإنها تجري مجرى أمره" (عليه السلام)" بالعمل بالبينة أو خبر العادل فإنها لا تفيد إلا الحجية؛ و لذا لم يحكم الأكثر بالتخيير عند تعارض البينات، و من حكم به خصه بالدعاوي المالية عند عدم الترجح و التخيير الثابت في الخبرين المتعارضين ليس مفاد آية النبأ فيكون مفادها حكمين الحجية و التخيير بل هو مفاد الأخبار العلاجية و من هذا الباب أكثر الإطلاقات