الفوائد الجعفرية - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٥٠ - التنبيه التاسع (في لزوم تقليد الأعلم)
استصحاب حال مطابقة العقل لا المستند إليه و توضيحه في الاستصحاب. و هذه مسألة من أشكل مسائله، و نحن نفصلها ليعم نفعها.
اعلم أن وجود الشيء متوقف على المقتضى و رفع المانع، و أما عدمه فيحصل بفقد المقتضي أو أحد أجزائه أو وجود المانع و لا يحصل الرفع من جهة وجود المانع إلا بعد إحراز المقتضي و إلا استند العدم إليه و إن كان لوجود المانع شأنية لكن مع عدم إحراز المقتضي يستند عدم الشيء إلى فقد مقتضيه لا إلى وجود مانعه بل احتمال عدم المقتضي يكفي في العدم وجد المانع ارتفع أم لم يوجد فأسباب عدم الشيء ثلاثة: عدم وجود المقتضي أو وجود المانع مع وجود المقتضى أو احتمال وجوده أو حكومة العقل بالعدم التي هي اعم منهما إذ قد يقارناها، و قد يفارقاها مثل حكومة العقل بنفي الشريك، و مثل ما نحن فيه فإن التخيير بين المتساويين من كل جهة حكم عقلي لا محيص عنه و لا يمكن اختيار أحدهما من دون مزية فيه، فإن نقص أو زاد أحدهما ارتفع ذلك الحكم العقلي فكيف يستصحب! لكن لا ينافي ورود دليل يقضي بالتخيير عند الزيادة و النقصان في أحدهما لسكوته عن ذلك و منه يظهر معارضة الدليل القاضي بعدم التخيير في المتساويين لحكومة العقل بخلاف ما لو رجح أحدهما فلا يعارض حكومة العقل لو دل على التخيير دليل غيره و أما لو استند العدم إلى نفي المقتضي أو وجود المانع و طابقه العقل في ذلك فلا يمكن أيضا استصحاب ذلك الحال الذي طابقه العقل إلى ما بعد وجود المقتضي أو بعد ارتفاع المانع إذ الاستصحاب لا يمنع المقتضي من تأثيره و يشهد له عدم تجويزهم لاستصحاب عدم وجوب السورة المسبب له النسيان بعد التذكر في المحل، و ما هو إلا وجود المقتضي للطلب منع منه النسيان و قد ارتفع فأثر المقتضى أثره و أخطأ القائل بالأجزاء في مثل هذه الصورة من الأعذار المسقطة للتكليف مع حدوث مقتضاها. نعم يجري الاستصحاب في صورة وجود المانع و لو شك بأن العدم مستند له أو إلى عدم المقتضي فلو ارتفع المانع لا ضير من بقاء عدم التكليف الذي جامع وجوده إذ يكفي في رفع التكليف حصول الشك في مقتضيه فمثل الصغر المانع من التكليف- لو ارتفع- فإن تحقق مقتضى التكليف فلا مجرى حينئذ للاستصحاب و أن لم يوجد حتى لو شك في وجوده و عدمه أمكن استصحاب تلك الحالة إلى يحرز المقتضي للتكليف بدليله، و هذا ليس من استصحاب الأحكام العقلية. بل هو استصحاب حالة طابقها العقل؛ و لذلك لو أن العقل و البلوغ يلازمان التكليف حيث وجدا بعد جزما لا مجرى للاستصحاب في رفع التكليف فاتضح أن القضايا العقلية لا تقبل الاستصحاب وجودية كانت أو عدمية، و إن استصحاب حال العقل ليس من استصحاب حكم العقل العدمي، مضافا إلى أنا ندعي أن التخيير في كل متماثلين و متساويين من كل الجهات هو من آثار الأمر الوجودي و هو التساوي لا من آثار الأمر العدمي و هو عدم الترجيح فلا بد من إحراز التساوي ليترتب عليه أثره و هو التخيير و إحرازه بعد فقده لا يثبت باستصحاب العدم فإن نفي أحد الضدين لا يثبت وجود الضد الآخر ليترتب عليه آثار وجوده فلو دار الأمر بين الوجوب و الندب، و نفينا الوجوب بالبراءة لا يثبت الاستحباب بالأصل، بل يحتاج إلى دليل آخر نعم لو كان جواز التخيير من أحكام استصحاب البراءة بالفرد الخاص تم ذلك مثل كون غير المذكى ميتة فإن استصحاب عدم التذكية يرتب عليها أحكام الميتة لا يقال إن المستصحب الجواز الشرعي حال التخيير بين المجتهدين المتساويين لأنا نقول ليس هذا جواز إباحي مقابل لباقي الأحكام بل هو رخصة إلى بدل نحو خصال الكفارة فهو في الحقيقة وجوب تخييري، هذا إذا كان التخيير عقليا، أما لو كان القاضي به الشرع بدليل لبي مثل الإجماع فعدم جريانه