الفوائد الجعفرية - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٩٠ - الفائدة الحادية و العشرون (جوائز و الظلمة)
أقول: لا يخلو كلامه من تأمل إذ أقصاه التصرف في الأخبار التي ظاهرها بل صريحها كفاية عدم العلم بالحرام في التناول من عملة السلاطين، و الفتوى المطلقة و تحكيم قاعدة الاحتياط بلا داع يوجب ذلك فإن مخالفة العلم الإجمالي في الشبهات الموضوعية فوق حد الإحصاء، و ليس التصرف في هذه الأخبار بأولى من الحكم بمخالفة العلم الإجمالي و عدم الاجتناب في الشبهة المحصورة في المقام و خروجها بالنص، و مثل ذلك في الفتوى مضافا إلى فهم الأصحاب و نقدة النصوص من كفاية عدم العلم بالحرام في جوائز الجائر و عملته من الأخبار حتى أفتوا به، و ليس ذلك بأعظم من الخراج المغصوب من صاحبه الذي أبيح لنا التصرف فيه مطلقا على أنه بعد إجراء قاعدة الاحتياط يكون حكم هذا المال، إما مال اختلط حرامه بحلاله، أو بحكم مجهول المالك فإن كان الأول طهره الخمس، و إن كان الثاني فمرجعه الإمام و هو أباحه بهذه النصوص لشيعته كما أباح الصلاة في الأرض التي اشتملت على الغصب من الصحارى، و إليه ذهب علم الهدى و جماعة و لعل في قوله" (عليه السلام)" في رواية: (ابعث إلي بخمسه) إيماء إلى ذلك، على أنه لا ينكر صراحة موثقة سماعة في جواز الأخذ قال: سألت أبا عبد الله" (عليه السلام)" عن رجل أصاب مالا من عمال بني أمية يتصدق منه و يصل قرابته و يحج ليغفر له ما اكتسب و يقول: [إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ]، فقال" (عليه السلام)": (إن الخطيئة لا تكفر الخطيئة و إن الحسنة تحبط الخطيئة) ثمّ، قال" (عليه السلام)": (إن كان خلط الحرام حلالا فاختلطا جميعا فلم يعرف الحرام من الحلال فلا بأس)، فقد أذن" (عليه السلام)" بترك بعض المقدمات العلمية و الأخذ به و العمل عليه تجويز منه لمخالفة العلم الإجمالي، و لعل حكمته كثرة ابتلاء الشيعة بما شابه ذلك، و يرشد إلى ذلك النصوص الواردة بحلية الربا الذي لا يميز بعينه، و قد عمل بمضمونها الأكثر و التزموا بخروجها عن قاعدة الشبهة المحصورة.
و الحاصل أن فهم الأصحاب من النصوص هو في نفسه حجة و لا ينكر استظهارهم لما ذكرنا في خصوص المقام. نعم تناول جميع ما تحت يد العامل و عدم إبقاء ما يتحمل أنه يساوي الحرام بحيث يفضي إلى العلم التفصيلي بارتكاب المحرم لعله لا يخلو من إشكال، و إن كان الدليل أعم لأن لازم ما ذكرنا إلغاء العلم الإجمالي و الرخصة في تناول المشتبه كالرخصة في تنصيف العين بين متداعيين يعلم بكذب أحدهما لا بعينه، و على كل حال ظاهر الأخبار و الفتاوى و عبارات الأكثر و فهم الأصحاب مما يخرج المقام عن قاعدة الشبهة المحصورة و يخصص موردها و خلاصة رفع المؤاخذة الحاكم بها العقل عن الارتكاب و جعلها كارتكاب بعض المحتملات فيما كانت الشبهة فيه غير محصورة، فإن حكومة العقل فيهما سواء سواء كان الارتكاب دفعة أو تدريجا حتى قيل بجواز ارتكاب الجميع، و لا يخفى أن دليل الجواز في غير المحصور ليس بأقوى من أدلة المقام، و لا بد من الاقتصار في المأخوذ عما ورد به النص من الجائزة و الأكل و الهدية، و أما غيرها من المأخوذ بدلا و عوضا من السلطان و عماله غير ما أخذ باسم الخراج و المقاسمة يجري فيه حكم الشبهة المحصورة، و لا تخصص قاعدة الاحتياط إلا أن يفهم من النصوص أن ما يؤخذ من الجائر و عماله مطلقا ما لم يعلم أنها من الحرام لا تجتنب و تخرج عن قاعدة الاحتياط فيكون للسلطان و أعوانه موضوعية دون غيرهم.