التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣١٢ - المعنى
عدوكم - التي بيناها لكم (فاذكروا الله قياما وقعودا) أي في حال قيامكم وفي حال قعودكم، ومضطجعين على جنوبكم. والجنب: الجانب تقول نزلت جنبه أي جانبه بالتعظيم له والدعاء لانفسكم بالظفر على عدوكم لعل الله أن يظفركم بهم.
وينصركم عليهم. وذلك مثل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا لله كثيرا لعلكم تفلحون) [١]. وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين. وقوله: (فاذا أطمأننتم فاقيموا الصلاة " اختلفوا في تأويله، فقال قوم معناه اذا استقررتم في أوطانكم وأقمتم في سفركم وضربكم في الارض. ذهب إليه مجاهد، وقتادة وقال آخرون معناه إذا استقررتم بزوال الخوف من عدوكم، وحدوث الامن لكم، فاقيموا الصلاة أي فأتموا حدودها بركوعها، وسجودها. ذهب اليه السدي، وابن زيد، ومجاهد في رواية أخرى. وهواختيار الجبائي، والبلخي الطبري. وأقوى التأويلين قول من قال: إذا زال خوفكم من عدوكم، وأمنتم فأتموا الصلاة بحدودها غير قاصرين لها عن شئ من حدودها، لانه تعالى عرف عباده الواجب عليهم من فرض صلاتهم بهاتين الآيتين في حالين:
احداهما - حال شدة الخوف أذن لهم فيها بقصر الصلاة على ما بيناه من قصر حدودها، والاقتصار على الايماء.
والثانية - حال غير شدة الخوف امرهم فيها باقامة حدودها وإتمامها على مامضى من معاقبة بعضهم بعضا في الصلاة خلف أئمتها، لانه قال: " وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة " فلما قال: " فاذا اطمأننتم فاقيموا الصلاة " كان معلوما انه يريد إذا اطمأننتم من الحال التي لم تكونوا فيها مقيمين صلاتكم فاقيموا الصلاة بجميع حدودها غير قاصرين لها.
وقال ابن مسعود نزلت الآية في صلاة المرضى. والظاهر بغيره أشبه. وقوله:
(إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) اختلفوا في تأويله، فقال قوم:
[١] سورة الانفال: آية ٤٦. (*)