التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٧٦ - المعنى
عليهم، بمعنى أن يقبل توبتهم، عما سلف من آثامهم، ويتجاوز عما كان منهم في الجاهلية، من استحلالهم ما هو حرام عليهم من حلائل الآباء والابناء، وغير ذلك مما كانوا يستحلونه، وهو حرام عليهم. إن قيل: لم كرر قوله: " والله يريد أن يتوب عليكم "؟ مع ما تقدم من قوله: " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم " قلنا عنه جوابان:
أحدهما - أنه لما في الاول، وتقديره: يريد الله ليتوب عليكم أنى في الثاني ب (أن) ليزول الايهام أنه يريد ليتوب، ولايريد [٣] أن يتوب علينا.
والآخر - أن يبين أن ارادته منا خلاف إرادة أصحاب الاهواء لنا، لنكون على بصيرة من أمرنا، وجاء الثاني على التقابل، بان الله يريد شيئا ويريدون خلافه.
والمعني: بقوله: " ويريد الذين يتبعون الشهوات " قيل فيه أربعة أقوال:
الاول - قال ابن زيد: كل مبطل، لانه يتبع شهوة نفسه في باطله.
الثاني - قال مجاهد: يعني به: الزناة.
الثالث - قال السدي: هم اليهود والنصارى.
الرابع - اليهود خاصة، لانهم يحلون نكاح الاخت من الاب، والاول أقوى، لانه أعم فائدة، وأوفق لظاهر اللفظ. وقوله: " أن تميلوا ميلا عظيما " معناه أن تعدلوا عن الاستقامة بالاستكثار من المعصية، وذلك أن الاستقامة هي المؤدية إلى الثواب، والفوز بالسلامة من العقاب، وأما الميل عن الاستقامة فيؤدي إلى الهلاك واستحقاق العقاب. فان قيل: ما معنى إرادتهم الميل بهم؟ قيل قد يكون ذلك لعداوتهم، وقد يكون لتمام الانس بهم في المعصية، فبين الله أن إرادته لهم خلاف ارادتهم منهم، وليس في الآية مايدل على أنه لايجوز اتباع داعي الشهوة في شئ البته، لانه لاخلاف أن اتباع الشهوة فيما أباحه الله تعالى جائز، وإنما المحظور من
[١] في المخطوطة (ولانه يريد) بدل (ولا يريد).