الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٩٣ - لا حكم للأفعال قبل الشرع
وأما الآية الأخرى : وإن سلمنا كون المفهوم حجة فالاعتراض على الآية الأولى بعينه وارد هاهنا . وأما ما ذكرتموه من المعقول ، فقد سبق ما فيه كيف وأن ما ذكرتموه من الدلالة على نفي الحكم حكم بنفي الحكم فكان متناقضا .
والجواب عن السؤال الأول ، أن وقوع العذاب بالفعل ، وإن لم يكن لازما من ترك الواجب وفعل المحرم ، فلازمه عدم الامن من ذلك لعدم تحقق الواجب والمحرم دونه . وهذا اللازم منتف قبل ورود الشرع ، على ما دلت عليه الآية ، فلا ملزوم .
وبه يندفع ما ذكروه من السؤال الثاني والثالث .
والتمسك بالآية إنما هو في نفي الوجوب والحرمة قبل لا غير ، ونفي ما سوى ذلك ، فإنما يستفاد من دليل آخر على ما سنبينه ، وبه اندفع السؤال الرابع .
وما ذكروه على الدليل العقلي ، فقد سبق أيضا جوابه ، ونفي الحكم ، وإن كان حكما ، غير أن المنفي ليس هو الحكم مطلقا ليلزم التناقض ، بل نفي ما أثبتوه من الأحكام المذكورة ، فلا تناقض .
وأما القائلون بالإباحة إن فسروها بنفي الحرج عن الفعل والترك ، فلا نزاع في هذا المعنى ، وإنما النزاع في صحة إطلاق لفظ الإباحة بإزائه . ولهذا فإنه يمتنع إطلاق لفظ الإباحة على أفعال الله تعالى مع تحقق ذلك المعنى فيها ، وإن فسروها بتخيير الفاعل بين الفعل والترك ، فإما أن يكون ذلك التخيير للفاعل من نفسه وإما من غيره : فإن كان الأول ، فيلزم منه تسمية أفعال الله مباحة ، لتحقق ذلك في حقه . وهو ممتنع بالاجماع . وإن كان الثاني ، فالمخير إما الشرع وإما العقل بالاجماع ، ولا شرع قبل ورود الشرع ، وتخيير العقل عندهم إنما يكون فيما استوى فعله وتركه من الافعال الحسنة عقلا ، أو فيما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح ، وهو فرع الحسن والقبح العقلي ، وقد أبطلناه ، وإن فسروه بأمر آخر ، فلا بد من تصويره .