الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٣٣ - حكم اجماع أهل كل عصر
السادس : أنه لو كان قد خالف واحد من الصحابة ، فإن إجماع التابعين بعده لا ينعقد ، وإذا لم ينقل خلاف من تقدم لا ينعقد الاجماع لاحتمال أن أحدا ممن تقدم خالف ولم ينقل خلافه ، وإذا احتمل واحتمل ، فالاجماع لا يكون متيقنا .
والجواب عن السؤال الأول : قولهم في الآيات إنها خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام يلزمهم عليه أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موجودا عند نزول هذه الآيات ، لان إجماعهم ليس إجماع جميع المخاطبين وقت نزولها ، وأن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزولها ، لكونه خارجا عن المخاطبين . وقد أجمعنا على أن إجماع من بقي ، من الصحابة بعد رسول الله ، يكون حجة .
قولهم : التابعون ليس هم كل الأمة ، ولا كل المؤمنين ، يلزم عليه أن لا ينعقد إجماع من بقي من الصحابة بعد موت رسول الله ، لان من مات من الصحابة ، أو استشهد في حياة رسول الله داخل في مسمى المؤمنين والأمة ، وهو خلاف المجمع عليه بين القائلين بالاجماع ، وليس ذلك ، إلا لان الماضي إذا لم يكن له قول غير معتبر ، كما أن المستقبل غير منتظر . وعلى هذا ، فنقول : إنه إذا ذهب واحد من الصحابة إلى حكم في مسألة ، ثم مات ، وأجمع التابعون على خلافه في تلك المسألة ، فقد قال بعض الأصوليين إنه ينعقد إجماع التابعين ، ولا اعتبار بقول الماضي ، وليس بحق ، لأنه يلزم منه أنه إذا أجمعت الصحابة على حكم ، ثم ماتوا ، وأجمع التابعون على خلاف إجماع الماضين ، أنه ينعقد ، وهو محال مخالف لاجماع القائلين بالاجماع .
وإنما الحق في ذلك أن يقال : إذا حكم الواحد من الصحابة بحكم ، ثم حكم التابعون بخلافه ، فحكم التابعين ليس هو حكم جميع الأمة المعتبرين في تلك المسألة التي وقع الخوض فيها . وإن كان حكمهم في مسألة لم يتقدم فيها خلاف بعض الصحابة ، فهو حكم كل الأمة المعتبرين وهذا كما لو أفتى الصحابي بحكم ، ثم مات ، وأجمع باقي الصحابة على خلافه ، فإنه لا ينعقد إجماعهم ، وإن انعقد إجماعهم إذا مات من غير مخالفة ، لان حكمهم في الأول ليس هو حكم كل الأمة المعتبرين بخلاف حكمهم في الثاني .