الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٥٢ - حكم النيابة في التكاليف
وعلى هذا ، فالغافل عما كلف به ، والسكران المتخبط لا يكون خطابه وتكليفه في حالة غفلته وسكره أيضا ، إذ هو في تلك الحالة أسوأ حالا من الصبي المميز فيما يرجع إلى فهم خطاب الشارع ، وحصول مقصوده منه ، وما يجب عليه من الغرامات والضمانات بفعله في تلك الحال . فتخريجه كما سبق في الصبي والمجنون ، ونفوذ طلاق السكران ، ففيه منع خطاب الوضع والاخبار وإن نفذ ، فليس من باب التكليف في شئ ، بل من باب ما ثبت بخطاب الوضع والاخبار يجعل تلفظه بالطلاق علامة على نفوذه ، كما جعل زوال الشمس ، وطلوع الهلال ، علامة على وجوب الصلاة والصوم . وكذلك الحكم في وجوب الحد عليه بالقتل والزنى وغيره .
وقوله تعالى : * ( لا تقربوا الصلاة ، وأنتم سكارى ) * ( ٤ ) النساء : ٤٣ ) وإن كان من باب خطاب التكليف بنهي السكران ، فليس المقصود منه النهي عن الصلاة حالة السكر ، بل النهي عن السكر في وقت إرادة الصلاة . وتقديره : إذا أردتم الصلاة ، فلا تسكروا . كما يقال لمن أراد التهجد : لا تقرب التهجد وأنت شبعان . أي لا تشبع إذا أردت التهجد ، حتى لا يثقل عليك التهجد . وهو ، وإن دل بمفهومه على عدم النهي عن السكر في غير وقت الصلاة ، فغير مانع لورود النهي عن ذلك في ابتداء الاسلام ، حيت لم يكن الشرب حراما وإن كان وروده بعد التحريم ، وفي حالة السكر ، لكن يجب حمل لفظ السكران في الآية على من دب الخمر في شؤونه ، وكان ثملا نشوانا ، وأصل عقله ثابت .
لان ذلك مما يؤول إلى السكر غالبا .
والتعبير عن الشئ باسم ما يؤول إليه ، يكون تجوزا ، كما في قوله تعالى : * ( إنك ميت ، وإنهم ميتون ) * ( ٤ ) النساء : ٤٣ ) وقوله تعالى : * ( حتى تعلموا ما تقولون ) * ( ٤ ) النساء : ٤٣ ) فيجب حمله على كمال التثبت على ما يقال ، إذ هو غير ثابت حالة الانتشاء ، وإن كان العقل والفهم حاصلا .
وذلك ، كما يقال لمن أراد فعل أمر ، وهو غضبان : لا تفعل ، حتى تعلم ما تفعل ، أي حتى يزول عنك الغضب المانع من التثبت على ما تفعل . وإن كان عقله وفهمه حاصلا .
ويجب المصير إلى هذه التأويلات ، جمعا بين هذه الآية وما ذكرناه من الدليل المانع من التكليف .