الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٢٩ - هل يدخل المباح في مسمى الواجب
قلنا : معرفة السببية مستندة إلى الخطاب ، أو إلى الحكمة الملازمة للوصف مع اقتران الحكم بها في صورة ، فلا تستدعي سببا آخر يعرفها حتى يلزم الدور ، أو التسلسل ، وبما ذكرناه هاهنا يكون دفع إشكال الثاني أيضا .
وأما الوجه الأول : من الاشكال الثالث ، فالوجه في دفعه أن الحكمة المعرفة للسببية ليس طلق حكمة بل الحكمة المضبوطة بالوصف المقترن بالحكم ، فلا تكون بمجردها معرفة للحكم فإنها إذا كانت خفية غير مضبوطة بنفسها ولا بملزومها من الوصف فلا يمكن تعريف الحكم بها ، لعدم الوقوف على ما به التعريف لاضطرابها واختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان ، وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة المنضبطة المستلزمة لاحتمال الحكمة دفعا للعسر والحرج عنهم .
وأما الوجه الثاني : منه ، فالوجه في دفعه أن يقال الحكمة إذا كانت مضبوطة بالوصف فهي معروفة بنفسها غير مفتقرة إلى معرف آخر ، ولا يلزم من تقدمها على ورود الشرع أن تكون معرفة للسببية ، لتوقف ذلك على اعتبارها في الشرع ، ولا اعتبار لها قبل ورود الشرع . وإذا عرف معنى السبب شرعا ، فلو تخلف الحكم عنه في صورة من الصور ، فهل تبطل سببيته أم لا . فسيأتي الكلام عليه في مسألة تخصيص العلة فيما بعد .