الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٦ - ابن أبي دواد يكيد له
كلام، قال: فحسده محمد بن عبد الملك، و قال له: من أين لك هذا العلم يا أبا محمد؟ قال: إني كنت أستصحب من أهل كل صنعة رؤساء أهلها، و أتعلم منهم، ثم لا أرضى إلا ببلوغ الغاية، فقال له محمد- و كان حسودا: و متى كان ذلك؟ قال: في زمان قلت فيّ:
فأين لا أين و أنّى مثلكم
أنتم الأملاك و الناس خول [١]
فخجل محمد بن عبد الملك، و أطرق، و عدل عن الجواب.
عسى أمور بعد ذلك تكون:
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق قال: حدّثني ميمون بن هارون بن خلف قال:
/ كنت أسير بالقرب من محمد بن عبد الملك الزيات، و هو يريد يومئذ منزله، حتى مرّ بدار إبراهيم بن رباح، فرأى فيها قبة مشيدة، فقال:
أما القباب فقد أراها شيّدت
و عسى أمور بعد ذاك تكون
عبد عرت منه خلائق جهله
إذ راح و هو من الثّراء سمين [٢]
فما كان إلا أيّام حتى أوقع به.
ابن أبي دواد يكيد له:
أخبرني عمي قال: حدّثني الحسن بن عليّ بن عبد الأعلى عن أبيه، قال:
كان الواثق قد أصلح بين محمد بن عبد الملك الزيات و بين أحمد بن أبي دواد، فكفّ محمد عن ذكره، و جعل ابن أبي دواد يخلو بالواثق، و يغريه به، حتى قبض عليه، و كان فيما بلغه عنه أنه قد عزم على الفتك به و التدبير عليه. فقبض الواثق عليه، ثم أطلقه بعد مدة، ثم وزر للمتوكل، و كان محمد بن عبد الملك أشار بابن الواثق، و أشار ابن أبي دواد بالمتوكل، و قام و قعد في أمره حتى ولّى، و عمّمه بيده، و ألبسه البردة، و قبّل بين عينيه، و كان المتوكّل قبل ذلك يدخل على محمد بن عبد الملك في حياة الواثق يشكو إليه جفاءه له فيتجهّمه محمد، و يغلظ له الردّ، إلى أن قال يوما بحضرته: أ لا تعجبون إلى هذا العاصي، يعادي أمير المؤمنين، ثم يسألني أن أصلح له قلبه! اذهب، ويلك فأصلح نفسك له، حتى يصلح لك قلبه. فكان موقع ذلك يحسن عند الواثق، فدخل إليه يوما، و قد كان قال للواثق: إن جعفرا يدخل إليّ و له شعر قفا و طرّة مثل النساء، فقد فضحك فأمره بأن يحلقهما، و يضرب بشعرهما وجهه، فلما دخل إليه المتوكل فعل ذلك به، و تجهّمه بالقبيح، فلما ولي الخلافة خشي إن نكبه عاجلا أن يستتر أسبابه [٣] فتفوته بغيته فيه، فاستوزره و خلع عليه، و جعل ابن أبي دواد يغريه به و يجد عنده لذلك موقعا/ و استماعا، حتى قبض عليه و قتله، فلم يجد له من أملاكه كلّها من عين و ورق و أثاث و ضيعة إلّا ما كانت
[١] ارجع إلى ما كتبه من هذا البيت في التعليقة السابقة.
[٢] في هج «نزت» بدل «عرت».
[٣] هكذا في النسخ التي بين أيدينا. و نرجح أن ثمة تحريفا، و لعل العبارة «خشي إن نكبه عاجلا أن يستثير أحبابه».