الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩٧ - نثرا استحال شعرا
صاح هذا الشتاء فاغد عليها
إنّ أيامه لذاذ قصار
أيّ شيء ألذ من يوم دجن
فيه كأس على النّدامى تدار
و قيان كأنهنّ ظباء
فإذا قلن قالت الأوتار
أحسن يوم و أطيبه:
حدّثني عمي: قال: حدّثني كوثرة: قال:
كان لأبي عبد الرحمن صديق من الأدباء، و كان يتعشّق جارية من جواري القيان يقال لها: عثعث، و كان لا يقدر عليها إلا على لقاء عسير، و اجتماع يسير، فأرسل إليها/ يوما، فأحضرها [١] و أصلح جميع ما يحتاج إليه، و اتفق أن كان ذلك في [١] يوم رذاذ به من الطّيب و الحسن ما اللّه به عليم، فكتب إلى صديقه يعرفه الخبر، و يسأله المصير إليه و وصف له القصة بشعر، فقال:
يوم مطير و عيش نضير
و كأس تدور و قدر تفور
و عثعث تأتي إذا جئتنا
فتسمع منها غناء يصور [٢]
و عندي و عندك ما تشت
هيه شعر يمرّ و علم يدور
و إذ كان هذا كما قد وصفت
فإن التفرّق خطب كبير
فقم نصطبح قبل فوت الزّمان
فإنّ زمان التلهّي قصير
قال: فسار إليه صاحبه فمرّ لهما أحسن يوم و أطيبه.
نثرا استحال شعرا:
و هذا الشعر أخذه العطويّ من كلام إسحاق، أخبرني به وسواسة بن الموصلي عن حماد عن أبيه: قال: كان يألفني بعض/ الأعراب و كان طيبا، فجاءني يوما، فقلت له: لم أرك أمس، فقال: دعاني صديق لي، فقلت: صف لي ما كنتم فيه، فقال لي: كنا في مجلس نظامه سرور بين قدور تفور، و كأس تدور، و غناء يصور، و حديث لا يحور [٣] و ندامى كأنهم البدور.
قال إسحاق: و قلت لأعرابي: كان يألفني: أين كنت بالأمس؟ قال: كنت عند بعض ملوك سرّ من رأى، فأدخلني إلى قبة كإيوان كسرى، و أطعمني في قصاع تترى، و غنتني جارية سكرى، تلعب بالمضراب كأنه مدري، فيا ليتني لقيتها مرة أخرى.
/ قال إسحاق: و قلت لبعض الأعراب: طلبتك أمس فلم أجدك فأين كنت؟ قال: كنت عند صديق لي، فأطعمني بنات التّنانير، و أطعمني أمّهات الأبازير [٤] و حلواء الطّناجير [٥]، و سقاني زعاف القوارير، و أسمعني غناء
(١- ١) تكملة من هج، و هد.
[٢] يصور: يميل.
[٣] لا يجور: لا يظلم. في م، أ «لا يجور»: أي لا يضعف.
[٤] الأبازير: جمع أبزار و هو التابل.
[٥] الطناجير: جمع طنجير بالكسر فارسي معرب إناء الطبخ و عربية: القدور.