الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨ - مساجلة بينه و بين علي بن جبلة
لحقت غلّات أهل البتّ [١] آفة في أيام محمد بن عبد الملك من جراد و عطش، فتظلّم [٢] إليه جماعة منهم، فوجّه ببعض أصحابه ناظرا في أمرهم، و كان في بصره ضعف، فكتب إليه محمد بن عليّ البتّي:
أتيت أمرا يا أبا جعفر
لم يأته برّ و لا فاجر
/ أغثت أهل البتّ إذ أهلكوا
بناظر ليس له ناظر
فبلغه، فضحك و ردّ الناظر و وقّع لهم بما سألوا بغير نظر.
مساجلة بينه و بين علي بن جبلة:
أخبرني الصوليّ رضي اللّه عنه قال: حدّثني محمد بن يحيى بن أبي عبّاد عن أبيه رضي اللّه عنهما قال:
قال عليّ بن جبلة يهجو محمد بن عبد الملك الزيات، و كان قد قصد أبا دلف القاسم بن عيسى في بعض أمره:
يا بائع الزيت عرّج غير مرموق
لتشغلنّ عن الأرطال و السوق
من رام شتمك لم ينزع إلى كذب
في منتماك و أبداه بتحقيق
أبوك عبد و للأمّ التي فلقت
عن أمّ رأسك هنّ غير محلوق
/ إن أنت عدّدت أصلا لا تسبّ به
يوما فأمّك مني ذات تطليق
و لن تطيق بحول أن تزيل شجا
أثبتّه منك في مستنزل الرّيق
اللّه أنشاك من نوك و من كذب
لا تعطفنّ إلى لؤم لمخلوق
ما ذا يقول امرؤ غشّاك مدحته
إلا ابن زانية أو فرخ زنديق؟
فأجابه محمد:
اشمخ بأنفك يا ذا السيّئ الأدب
ما شئت و اضرب قذال الأرض بالذنب
و ارفع بصوتك تدعو من بذي عدن
و من بقالي قلا بالويل و الحرب [٣]
ما أنت إلا امرؤ أعطى بلاغته
فضل العذار و لم يربع على أدب [٤]
فاجمح لعلّك يوما أن تعضّ على
لجم دلاصيّة تثنيك من كثب [٥]
إنّي اعتذرت فما أحسنت تسمع من
عذري و من قبل ما أحسنت في الطّلب
صبرا أبا دلف في كل قافية
كالقدر وقفا على الجارات بالعقب [٦]
[١] البت: قرية من أعمال بغداد قريبة من راذان.
[٢] كذا في ف و في سائر النسخ «تكلم».
[٣] قالي قلا: مدينة بأرمينية من نواحي خلاط، بلد أبي علي القالي صاحب «الأمالي».
[٤] يربع: يقف.
[٥] لجم دلاصية: ملساء براقة.
[٦] العقب: جمع عقبة: أي شيء من المرق يرده مستعير القدر.