الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٦٤ - هدنة بين المختار و عبد الواحد
و العداوة لأعداء اللّه. أيها الناس إنّ من رحمة اللّه أن جعل في كلّ فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضلّ إلى الهدى، و يصبرون على الألم في جنب اللّه تعالى، يقتلون على الحق في سالف الدهور شهداء، فما نسيهم ربّهم، «و ما كان ربّك نسيّا». أوصيكم بتقوى اللّه، و حسن القيام على ما وكّلكم اللّه بالقيام به، فأبلوا للّه بلاء حسنا في أمره و زجره [١]، أقول قولي هذا، و أستغفر اللّه لي و لكم.
يوجه أتباعه إلى مكة:
قالوا: و أقام عبد اللّه بن يحيى بصنعاء أشهرا، يحسن السّيرة فيهم و يلين جانبه لهم و يكفّ عن الناس، فكثر جمعه، و أتته الشّراة من كل جانب، فلما كان وقت الحجّ وجّه أبا حمزة المختار بن عوف، و بلج بن عقبة، و أبرهة بن الصّبّاح إلى مكة في تسعمائة، و قيل: بل في ألف و مائة، و أمره أن يقيم بمكة إذا صدر الناس، و يوجّه بلجا إلى الشأم، و أقبل المختار إلى مكة، فقدمها يوم التّروية، و عليها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، و أمه بنت عبد اللّه بن خالد بن أسيد، فكره قتالهم.
هدنة بين المختار و عبد الواحد:
و حدّثنا من هذا الموضع بخبر أبي حمزة محمد بن جرير الطّبري، قال: حدّثنا العباس بن عيسى العقيلي [٢]، قال: حدّثنا هارون بن موسى العواري، قال: حدّثنا موسى بن كثير مولى الساعديّين، قال:
كان أول أمر أبي/ حمزة، و هو المختار بن عوف الأزدي ثم السّلميّ من أهل البصرة أنه كان يوافي في كلّ سنة يدعو إلى خلاف مروان بن محمد و آل مروان، فلم يزل يختلف كلّ سنة حتى وافى عبد اللّه بن يحيى في آخر سنة، و ذلك سنة ثمان و عشرين و مائة، فقال له: يا رجل، إني أسمع كلاما حسنا، و أراك تدعو إلى حق، فانطلق معي، فإني رجل مطاع في قومي، فخرج به، حتى ورد حضر موت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، قال: و قد كان مرّ أبو حمزة بمعدن بني سليم، و كثير/ بن عبد اللّه عامل على المعدن، فسمع بعض كلامه، فأمر به فجلد أربعين سوطا، فلما ظهر أبو حمزة بمكة تغيّب كثير حتى كان من أمره ما كان، ثم رجع إلى موضعه، قال: فلما كان في العام المقبل تمام سنة تسع و عشرين لم يعلم الناس بعرفة إلا و قد طلعت أعلام عمائم سود خرّميّة [٣] في رءوس الرماح، و هم سبعمائة، هكذا قال: هذا.
و ذكر المدائني أنهم كانوا تسعمائة أو ألفا و مائة، ففزع الناس منهم حين رأوهم، و قالوا لهم: ما لكم؟ و ما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مروان و آل مروان و التبرّي منهم.
فراسلهم عبد الواحد بن سليمان، و هو يومئذ على المدينة و مكة و الموسم، و دعاهم إلى الهدنة، فقالوا: نحن بحجّنا أضنّ و عليه أشحّ، فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض، حتى ينفر الناس النّفر الأخير، و أصبحوا من غد، فوقفوا على حدة بعرفة، و دفع عبد الواحد بالناس، فلما كانوا بمنى قالوا لعبد الواحد: إنك قد
[١] ف «و ذكره».
[٢] ف «العجلي».
[٣] في هج «خرقية».