الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦١ - يضرب لغنائه بشعر فيه ذكر الشيب
حدّثني جحظة قال: حدّثني أبو حشيشة: قال:
وجّه إليّ إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ، فصرت إليه و هو في داره التي على طرف الخندق، فدعا بجونة [١]، فأكل و أكلت من ناحية، و دعا بستارة و قال: تغنّ بصنعتك:
عاد الهوى بالكأس بردا
فأطع إمارة من تبدّى
و هو خفيف رمل مطلق.
فغنّيته مرارا، ثم ضرب السّتارة، و قال: فولوه، فقالته جارية فأحسنت غاية الإحسان، فضحك ثم قال: كيف تراه؟ فقلت: قد و اللّه بغّضوه إليّ، فازداد في الضحك، و أنا أرمق جبّة خزّ خضراء كانت عليه، فقال: كم ترمق [٢] هذه الجبّة؟ يا غلام، كانت عشرة أثواب خزّ فقطعت منها هذه الجبّة، فهات التسعة فجيء بها، فدفعها إليّ فكنت أبيع رذالها [٣] بستين دينارا.
/ حدّثني جحظة قال:
حدّثني أبو حشيشة أن بني الجنيد الإسكافيّين كانوا أوّل من اصطنعه، و أنهم كانوا يسمونه الظّريف، و أن أول منزل ابتاعه من أموالهم إلى أن شاع خبره، و تفاقم أمره. قال: و كانوا آكل الناس، رأيت رجلا منهم، و قد أكل هو و ابن عم له اثنين و عشرين رأسا كبارا، و شربا، فسكرا و ناما، ثم انتبها في وقت الظّهر، فدعوا بالطعام، فعادا إلى الأكل، ما أنكر منهما شيئا.
المأمون أول خليفة سمعه:
و نسخت من كتاب ألّفه أبو حشيشة، و جمع فيه أخباره مع من عاشره، و خدم من الخلفاء، و هو كتاب مشهور، قال:
أول من سمعني من الخلفاء المأمون، و هو بدمشق، و صفني له مخارق، فأمر بأشخاصي إليه، و أمر لي بخمسين [٤] ألف درهم أتجهّز بها، فلما وصلت إليه أدناني، و أعجب بي، و قال للمعتصم: هذا ابن من خدمك و خدم آبائك و أجدادك يا أبا إسحاق، جدّ هذا أمية كاتب جدّك المهديّ على كتابة السرّ و بيت المال و الخاتم، و حجّ المهديّ أربع حجج كان جدّ هذا زميله فيها. و اشتهى المأمون من غنائي:
صوت
يضرب لغنائه بشعر فيه ذكر الشيب:
كان ينهى فنهى حين انتهى
و انجلت عنه غيابات الصّبا
خلع اللهو و أضحى مسبلا
للنّهى فضل قميص وردا
[١] جونة: سلة صغيرة.
[٢] ترمن: تلحظها لحظا خفيفا.
[٣] الرذال: الدون الخسيس من كل شيء.
[٤] ف «خمسة آلاف».