الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢ - لا يدعي فيغضب
إياها، و لا يشفع لأحد إلا شفّعه، فلما عزل إبراهيم بن المدبر شيّعه الناس، و شيّعه أبو شراعة، فجعل يردّ الناس، حتى لم يبق غيره، فقال له: يا أبا شراعة غاية كل مودّع الفراق، فانصرف راشدا مكلوءا من غير قلى و اللّه و لا ملل، و أمر له بعشرة آلاف درهم، فعانقه أبو شراعة، و بكى؛ فأطال، ثم أنشأ يقول:
يا أبا إسحاق سر في دعة
و امض مصحوبا فما منك خلف
ليت شعري أيّ أرض أجدبت
فأغيثت بك من جهد العجف!
نزل الرّحم من اللّه بهم
و حرمناك لذنب قد سلف
إنما أنت ربيع باكر
حيثما صرّفه اللّه انصرف
خلاف حول هلال رمضان:
قال أبو الفياض سوّار بن أبي شراعة:
دخل أبي على إبراهيم بن المدبر و عنده منجّم، فماراه [١] إبراهيم بن المدبّر في رؤية/ الهلال لشهر رمضان؛ فحكم المنجّم بأنه يرى، و حلف إبراهيم بعتق غلمانه أنّه لا يرى، فرئي في تلك الليلة. فأعتق غلمانه، فلما أصبح دخل الناس يهنئونه بالشهر، فأنشده أبو شراعة يقول:
أيها المكثر التّجنّي على الما
ل إذا ما خلا من السّؤّال
أفتنا في الذين أعتقت بالأم
س مواليك أم موالي الهلال؟
لم يكن وكدك الهلال و لكن
تنألّى لصالح الأعمال
إنما لذتاك في المال شتّى
صونك العرض و ابتذال المال [٢]
ما نبالي إذا بقيت سليما
من تولّت به صروف اللّيالي
لا يدعي فيغضب:
قال أبو الفيّاض: و كان أبو شراعة صديق السّدري، فدعا يوما إخوانه، و أغفل أبا شراعة. فمرّ به الرياشيّ.
فقال: يا أبا شراعة، أ لست عند السّدري معنا؟ فقال: لم يدعنا. و مرّ به جماعة من إخوانه، فسألوه عن مثل ذلك، و مرّ به عيسى بن أبي حرب الصّفار- و كان ممن دعي- فجلس و حلف ألا يبرح حتى يأتيه السّدري، فيعتذر إليه، و يدعوه، فقال أبو شراعة:
/
أير حمار في حرام شعري
و خصيناه في حر امّ قدري
إن أنا لم أشفعهما بوفر
لو كنت ذا و فر دعاني السّدري
أو كان من همّ هشام أمري
أو راح إبراهيم يطري ذكري
[١] س، ب «فما رآه» تحريف، ماراه: بمعنى عارضه.
[٢] في هج «في الدد» بدل «في المآل».