الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦٥ - موت أبي حشيشة
صوت
لئن لجّ قلبك في ذكره
و لجّ حبيبك في هجره
لقد أورث العين طول البكا
و عزّ الفؤاد على صبره
/ فإن أذهب القلب وجد به
فجسمك لا شكّ في إثره
و أيّ محبّ تجافى الهوى
بطول التفكّر لم يبره
فجعل يردّد البيت الأول و البيت الأخير، و قال لي: لا تخرجنّ يا خليلي من هذا إلى غيره، فلم أزل أردده عليه، حتى شرب ثلاثا، و استرحت ساعة، و شربت و طابت نفسي، ثم استعادني فغنّيته، فأعجب به خلاف الأول، فنظر إليّ و ضحك، و لم يقل شيئا، و شرب رطلا رابعا و جاءت المغرب، فقال لي: يا خليلي، ما أشك في أنك قد أوحشت ابني [١] منك، فامض في حفظ اللّه تعالى. فخرجت أطير فرحا بانصرافي سالما، فلما وافيت أبا أحمد، و بصر بي من بعيد قال: حنطة، أو شعير؟ فقلت، بل سمسم و شهد، انج على رغم أنف من رغم، فقال: ويحك، أ تراني لا أعرف فصلك! و لكن أحببت أن أستعين برأيه على رأيي فيك، و قصصت عليه القصة، فسرّه ذلك، و لم يرض حتّى دسّ إليه محمد بن راشد الخناق، فسأله عني، فقال: ما ظننت أن يكون في صناعته مثله.
إسحاق يزكيه:
قال أبو حشيشة: و سمع إسحاق بن إبراهيم الموصليّ غنائي فاستحسنه، فسئل عني، فقال: غناء الطّنبور كله ضعيف، و ما سمعت فيه قطّ أقوى و لا أصحّ من هذا.
موت أبي حشيشة:
حدّثني جحظة، قال: كان سبب موت أبي حشيشة بسرّ من رأى، أن قلما غلام الفضل بن كاووس صار إليه في يوم بارد، فدعاه إلى الصّبوح، فقال له: أنا لا آكل إلا طعاما حارّا، و ليس عندك إلا فضيلة من مجليّة، قال:
تساعدني، و تأكل معي، فأكل منها، فجمّدت دم قلبه، فمات، فحمله إبراهيم بن المدبّر إلى بناته و ما كسبه بسر من رأى معه، فاقتسمنه بينهنّ.
صوت
سقيا لقاطول لا أرى بلدا
أوطنه الموطنون يشبهها
أمنا و خفضا و لا كبهجتها
أرغد أرض عيشا و أرفهها
البيت الأول من البيتين لعنان جارية الناطفيّ، و الثاني يقال: إنه لعمرو الوراق [٢]، و يقال إنّه لأبي نواس، و يقال بل هو لها.
و الغناء لعريب خفيف رمل. و كان الشعر: «سقيا لبغداد» فعيّرته عريب و جعلت مكانه «سقيا لقاطول».
[١] لعله يقصد بابنه الخليفة، فإنه بمثابة ابنه.
[٢] في هج «لعمرو الوادي».