الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦٤ - مع إبراهيم بن المهدي
مع إبراهيم بن المهدي:
قال أبو حشيشة: سمع إبراهيم بن المهديّ أصواتا من غناء محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر و عمرو بن بانة، فاستحسنها و أخذها جواريه، و قال: الطّنبور كلّه باطل، فإن كان فيه شيء حقّ فهذا. و أشتهي [١] أن يسمعني. فهبته هيبة شديدة، و قلت: إن رضيني لم يزد ذلك في قدري، و إن لم يرضني بقيت وصمة آخر الدهر، و كان يطلبني من محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر خاصة، و من إسحاق بن عمرو بن بزيع، فكنت أفرّ منهما، حتى صرت بسرّ من رأى، و أنا في تلك الأيام منقطع إلى أبي أحمد بن الرشيد، و نحن في مضارب [٢] لم نكن سكنّا المنازل بعد، فوافى إلى أبي أحمد بن الرشيد رسول إبراهيم بن المهدي فأبلغه السّلام، و قال: يقول لك عمّك: قد أعيتني الحيل في هذا الخبيث، و أنا أحبّ أن أسمعه، و هو يهرب مني، فأحبّ أن تبعث به إليّ، و يكون زيرب [٣] معه تؤنسه. فقال لي:
أبو أحمد: لا بدّ أن تمضي إلى عمي، فجهدت كلّ الجهد أن يعفيني، فأبى، فلما رأيت أنه لا بدّ لي منه لبست ثيابي، و مضيت إليه، و هو نازل في دسكرة، فرحّب بي/ و قرّب، و بسطني كلّ البسط و معي زيرب، و دعا بالنبيذ، و أمر خدما له كبارا، فجلسوا معي و شربوا و سقوني. و عرض لي بكلّ حيلة أن أغنّي، فهبته هيبة شديدة، و حصرت.
و شرب، و دعا بثلاث جوار، فخرجت و جلسن، و قال لهن: قلن:
صوت
كيف احتيالي و أنت لا تصل
عيل اصطباري و قلّت الحيل
إن كان جسمي هواك ينحله
فإن قلبي عليك يتّكل
الشعر لخالد الكاتب، و الغناء لأبي حشيشة رمل. و كان يسميه الرّهبانيّ، عمله على لحن من ألحان النصارى سمعه من رهبان في الليل يردّدونه، فغنّاه عليه.
فقالته إحداهنّ، فذهب عقلي، و سمعت شيئا لم أسمع مثله قطّ، فقال: يا خليلي، أ هذا لك؟ فقلت: نعم- أصلح اللّه الأمير- و أخذتني رعدة، ثم قال لهنّ: إيه، قلن:
صوت
ربّ ما لي و للهوى
ما لهذا الهوى دوا
حاز طرفي الذي هوى ال
حسن قلبي و ما حوى
الشعر لخالد، و الغناء لأبي حشيشة رمل.
فغنّته فسمعت ما هو أعجب من الأول، فقال: يا خليلي، هذا لك؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: هكذا أخذناهما من محمد بن الحارث، ثم شرب رطلا آخر، فقلت: يا نفس [٤]، دعاك الرجل يسمعك، أو يسمعك، و قوّيت عزمي، و تغنّيته بشعر خالد الكاتب، و هو هذا:
[١] ب، س «لو اشتهيت».
[٢] مضارب: جمع مضرب، و هو الفسطاط.
[٣] ب، س «ربرب».
[٤] هج «فقلت لنفسي».