الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩ - يهدد إبراهيم بن المهدي
ينصف خصمه من نفسه:
فحدّثني/ عمي رحمه اللّه قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال:
جلس أبي يوما للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا، فقال له: أ لك حاجة؟ قال: نعم تدنيني إليك؛ فإني مظلوم. فأدناه، فقال: إني مظلوم، و قد أعوزني الإنصاف، قال: و من ظلمك؟ قال: أنت، و لست أصل إليك؛ فأذكر حاجتي؟ قال: و من يحجبك عني و قد ترى مجلسي مبذولا؟ قال: يحجبني عنك هيبتي لك و طول لسانك؛ و فصاحتك، و اطراد حجتك، قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصبا بغير ثمن، فإذا وجب عليها خراج أدّيته باسمي لئلا يثبت لك اسم [١] بملكها، فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلّتها، و أنا أؤدي خراجها، و هذا مما لم يسمع في الظلم مثله، فقال محمد: هذا قول تحتاج عليه إلى بيّنة و شهود و أشياء، فقال له الرجل: أ يؤمنني الوزير من غضبه، حتى أجيب؟ قال: قد أمّنتك،/ قال: البينة هم الشهود، و إذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شيء، فما معنى قولك: بيّنة و شهود و أشياء، أيش هذه الأشياء إلّا العيّ و الحصر و التغطرس؟ [٢] فضحك، و قال: صدقت، و البلاء موكّل بالمنطق، و إني لأرى فيك مصطنعا، ثم وقّع له بردّ ضيعته و بأن يطلق له كرّ حنطة [٣] و كر شعير و مائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته، و صيّره من أصحابه، و اصطنعه.
يهدد إبراهيم بن المهدي:
أخبرني الصّوليّ: قال: حدّثني أحمد بن محمد الطالقانيّ [٤] قال: حدّثني عبيد اللّه بن محمد بن عبد الملك قال:
لمّا وثب إبراهيم بن المهديّ على الخلافة، اقترض من مياسير التّجّار مالا، فأخذ من جدّي عبد الملك عشرة آلاف درهم [٥]، و قال له: أنا أردّها إذا جاءني مال، و لم يتم أمره فاستخفى، ثم ظهر و رضي عنه المأمون، فطالبه الناس بأموالهم، فقال: إنما أخذتها للمسلمين، و أردت قضاءها من فيئهم، و الأمر الآن إلى غيري، فعمل أبي محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب فيها المأمون، و مضى بها إلى إبراهيم بن المهديّ، فأقرأه [٦] إياها و قال: و اللّه لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي لأوصلنّ هذه القصيدة إلى المأمون، فخاف أن يقرأها المأمون، فيتدبّر ما قاله، فيوقع به، فقال له: خذ مني بعض المال، و نجّم عليّ بضعه، ففعل أبي ذلك بعد أن حلّفه إبراهيم بأوكد الأيمان ألّا يظهر القصيدة في حياة المأمون، فوفّى له أبي بذلك، و وفّى إبراهيم بأداء المال كله.
و القصيدة قوله:
/
أ لم تر أن الشيء للشيء علّة
تكون له كالنار تقدح بالزّند
[١] كذا في ف و «الديوان» و في س، ب «اسم في ملكها».
[٢] التغطرس: التعامي عن الشيء.
[٣] كر حنطة: أربعون أردبا.
[٤] الطالقاني نسبة إلى طالقان، و هي بلدتان إحداهما بخراسان بين مرو الروز و بلخ، و الأخرى بين قزوين و أبهر، و ضبطها ياقوت بفتح اللام.
[٥] في ف «دينار».
[٦] في س، ب «فأقرأها» إياه.