الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٦٣ - خطبته بعد فتح اليمن
الإباضية في سلاح ظاهر و عدّة و جمع كثير، فعسكر على مسيرة يوم من أبين [١] و خلّف فيها الأثقال، و تقدّمت لتقاتله، فلقيه عبد اللّه بن يحيى بلحج- قرية من أبين- قريبا من الليل، فقال الناس للقاسم: أيها الأمير، لا تقاتل الخوارج ليلا، فأبى، و قاتلهم، فقتلوا من أصحابه بشرا كثيرا، و انهزموا ليلا، فمرّ بعسكره، فأمرهم بالرحيل، و مضى إلى صنعاء، فأقام يوما، ثم خرج فعسكر قريبا من صنعاء، و خندق و خلّف بصنعاء الضحاك بن زمل، فأقبل عبد اللّه بن يحيى، فنزل جوفين [٢] على ميلين من عسكر القاسم، فوجّه القاسم يزيد بن الفيض في ثلاثة آلاف من أهل الشام و أهل اليمن، فكانت بينهم مناوشة ثم تحاجزوا، فرجع يزيد إلى القاسم، فاستأذنه في بياتهم، فأبى أن يأذن له، فقال يزيد: و اللّه لئن لم تبيّتهم ليغمّنّك، فأبى أن يأذن له، و أقاموا يومين لا يلتقون، فلمّا كان في الليلة الثالثة أقبل عبد اللّه بن يحيى،/ فوافاه مع طلوع الفجر، فقاتلهم الناس على الخندق، فغلبتهم الخوارج عليه، و دخلوا عسكرهم، و القاسم يصلّي، فركب، و قاتلهم الصّلت بن يوسف، فقتل في المعركة، و قام يأمر الناس يزيد بن/ الفيض، فقاتلهم، حتى ارتفع النهار، ثم انهزم أهل صنعاء فأراد أبرهة بن الصبّاح اتّباعهم، فمنعه عبد اللّه بن يحيى، و اتّبع يزيد بن الفيض القاسم بن عمر، فأخبره الخبر فقال القاسم:
ألا ليت شعري هل أذودنّ بالقنا
و بالهندوانيّات قبل مماتي [٣]
و هل أصبحنّ الحارثين كليهما
بطعن و ضرب يقطع اللهوات [٤]
قال: و دخل عبد اللّه بن يحيى صنعاء، فأخذ الضّحاك بن زمل و إبراهيم بن جبلة بن مخرمة فحبسهما، و جمع الخزائن و الأموال، فأحرزها، ثم أرسل إلى الضحاك و إبراهيم، فأرسلهما، و قال لهما: حبستكما خوفا عليكما من العامة، و ليس عليكما مكروه، فأقيما إن شئتما أو اشخصا، فخرجا.
خطبته بعد فتح اليمن:
فلمّا استولى عبد اللّه بن يحيى على بلاد اليمن خطب الناس، فحمد اللّه جل و عزّ و أثنى عليه و صلّى على نبيه صلّى اللّه عليه و سلم، و وعظ، و ذكّر، و حذّر، ثم قال: إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه تعالى و سنة نبيه و إجابة من دعا إليهما: الإسلام ديننا، و محمد نبيّنا و الكعبة قبلتنا، و القرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلالا لا نبغي به بديلا، و لا نشتري به ثمنا قليلا، و حرّمنا الحرام، و نبذناه وراء ظهورنا، و لا حول و لا قوة إلا باللّه، و إلى اللّه المشتكى، و عليه المعوّل. من زنى فهو كافر، و من سرق فهو كافر، و من شرب الخمر فهو كافر، و من شكّ في أنه كافر فهو كافر، ندعوكم إلى فرائض بيّنات، و آيات محكمات، و آثار مقتدى بها، و نشهد أن اللّه صادق فيما وعد؛ عدل فيما حكم/ و ندعو إلى توحيد الربّ، و اليقين بالوعيد و الوعد، و أداء الفرائض، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و الولاية لأهل ولاية اللّه،
[١] أبين: مخلاف باليمن من قراء (حدن).
[٢] ليس في «معجم البلدان» موضع في الجزيرة العربية بهذا الاسم، و لعله محرف عن «جوفين» و هي كما في «القاموس» قرية بالبحرين.
[٣] كذا في ف و في س، ب «الفتى»، و البيتان في «معجم الشعراء» بالرواية الآتية:
ألا ليت شعري هل أدوسن بالقنا
قبالة أو نجران قبل مماتي
و هل أصبحن الحارثين كليهما
بسم زعاف يقطع اللهوات؟
[٤] الحارثان في مرة: الحارث بن ظالم الحارث بن عوف، و في باهلة: الحارث بن قتيبة، الحارث بن سهم بن عمرو، كما في «المخصص» ١٣/ ٢٢٩.