الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٨ - نبيذ شبب بالماء
أجلك، و أستعيذه من الآفات لك، و أستعينه على شكر ما وهب من النّعمة فيك، إنه لذلك وليّ، و به مليّ. أتلقى غلامك المليح قدّه، السعيد بملكك جدّه بكتاب قرأته غير مستكره اللفظ، و لا مزور عن القصد، ينطق بحكمتك، و يبين عن فضلك، فو اللّه ما أوضح لي خفيّا، و لا رادني بك علما، و إذا أنت تسأل فيه أن تهب، و تحبّ أن تحمد، و لا غرو [١] أن تفعل ذلك، و من كثب أخذته، لا عن كلالة و غير كلالة ورثته، موسى أبوك، و سعيد جدّك، و عمرو عمك، و لك دار الصّلة، و دار الضيافة، و صاحب البغلة الشّهباء [٢] و حصين بن الحمام و عروة بن الورد، ففي أيّ غلوات [٣] المجد يطمع قرينك أن يستولى على المدى، و الأمد دونك. و كتابك إليّ أن أتحكّم عليك تحكّم الصبي على أهله، فلشدّ ما جررت إليّ معروفك، و دللت على الأنس بك، و حاشى للمحكوم له و المحكوم عليه في ذات الحسب العتيق، و المنظر الأنيق الذي يسرّ القلب، و يلائم الرّوح، و يطرد الهمّ:
تدبّ خلال شئون الفتى
دبيب دبى النّملة المنتعش [٤]
إذا فتحت فقمت ريحها
و إن سيل خمّارها قال: خش
/- خش: كلمة فارسية تفسيرها: طيّب-.
فإن كنت رعيت لها عهدا، و حفظت لها عندك يدا، فانظر ربّ الحانوت فامطله دينه، و اقطع السبب بينك و بينه، فقد أساء صحبتها، و أفسد بالماء حسّها، و سلّط عليها عدوّها، و اعلم بأن أباك المتمثّل بقوله:
يرى درجات المجد لا يستطيعها
فيقعد وسط القوم لا يتكلم
و قد بسطت قدرتك لسانك، و أكثرت لك الحمد، فدونك نهزة البديهة منه:
و بادر بمعروف إذا كنت قادرا
زوال افتقار أو غنى عنك يعقب [٥]
و قد بعثت إليك بقرابة [٦] مع الرسول، و أنشأت في أثرها أقول:
إليك ابن موسى الجود أعملت ناقتي
مجلّلة يضفو عليها جلالها [٧]
كتوم الوحي لا تشتكي ألم السّرى
سواء عليها موتها و اعتلالها
إذا شربت أبصرت ما جوف بطنها
و إن ظمئت لم يبد منها هزالها
و إن حملت حملا تكلّفت حملها
و إن حطّ عنها لم أقل كيف حالها؟ [٨]
بعثنا بها تسمو العيون وراءها
إليك و ما يخشى عليها كلالها
/ و غنّى مغنّينا بصوت فشافني
متى راجع من أم عمرو خيالها
[١] لا غرر: لا عجب.
[٢] الشهبة: بياض يخالطه سواد.
[٣] غارات: جمع غارة: أي قدر رمية سهم أبعد ما يندر عليه.
[٤] دبى النملة: أصغر النمل و الجراد.
[٥] في ف «منك» بدل «عنك».
[٦] ما يقرب من قدرك، و في بعض النسخ «بقرافة»، أي رجاحة.
[٧] مجللة: لابسة جلها و هو ما تلبسه الدابة لتصان به.
[٨] كذا في ف و في س، ب «لم أبل» بدل «لم أقل».