الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٤ - يتباهون بحفظ أشعاره
يتباهون بحفظ أشعاره:
أخبرني عمي: قال: حدّثني عمر بن نصر الكاتب، و كان من مشايخ الكتّاب بسرّ من رأى، قال:
كنا نتهادى و نحن في الديوان أشعار الحسن بن وهب، و نتباهى بحفظها، قال: و أنشدني له، و كتب بها إلى أخيه سليمان بن وهب من مدينة السّلام و هو محبوس في أيام الواثق:
خطب أبا أيوب جلّ محلّه
فإذا جزعت من الخطوب فمن لها؟
إن الذي عقد الذي انعقدت به
عقد المكاره فيك يحسن حلّها
فاصبر لعلّ الصبر يفتق ما ترى
و عسى بها أن ينجلي و لعلّها
قال: و كتب إليه أيضا و هو في الحبس بسرّ من رأى:
خليليّ من عبد المدان تروّحا
و نصّا صدور العيس حسرى و طلّحا [١]
فإنّ سليمان بن وهب ببلدة
أصاب صميم القلب منّي فأقرحا
أسائل عنه الحارسين لحبسه
إذا ما أتوني: كيف أمسى و أصبحا!
فلا يهنئ الأعداء أسر ابن حرّة
يراه العدا أندى يمينا و أسمحا
و أنهض للأمر الجليل بعزمة
و أقرع للباب الأصمّ و أفتحا
أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ: قال: حدّثني محمد بن موسى بن حماد: قال:
/ وجّه الحسن بن وهب إلى أبي تمام و هو بالموصل خلعا فيها خزّ و وشي، فامتدحه بقصيدة أولها [٢]
أبو عليّ و سميّ منتجعه
فاحلل بأعلى واديه أو جرعه
ثم وصف الخلعة فقال:
و قد أتاني الرسول بالملبس ال
فخم لصيف امرئ و مرتبعه
لو أنها جلّلت أويسا لقد
أسرعت الكبرياء في ورعه
رائق خزّ أجيد سابره
سكب تدين الصّبا لمدّرعه
و سرّ وشي كأنّ شعري أحيا
نا نسيب العيون من بدعه
تركتني ساهر الجفون على
أزلم دهر بحسنها جذعه
- يعني الدهر، و الدهر يقال له: الأزلم الجذع، و الأزلم: الطويل، و الجذع: الجديد: يقول: هو قديم سالف، و يومه جديد، قال لقيط الإياديّ:
يا قوم بيضتكم لا تفضحنّ بها
إني أخاف عليها الأزلم الجذعا [٣]
-
[١] النص: استخراج جهد الناقة في السير، و حسر و طلح البعير: أعيا و تعب.
[٢] الأبيات في «الديوان» ٢/ ٣٤٣- ٣٤٨.
[٣] بيضة البلد: ما يحافظ عليها و يحمي حقيقتها. و في ف «لا تفجعن».