الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩٠ - كان مصعب أشجع الناس
من يشاء، ألا إنه لم يذلّ و اللّه من كان الحق معه و إن كان مفردا ضعيفا، و لم يعزّ من كان الباطل معه، و إن كان في العدّة و العدد و الكثرة، ثم قال: إنه قد أتانا خبر من العراق بلد الغدر و الشقاق فساءنا و سرّنا، أتانا أن مصعبا قتل رحمة اللّه عليه و مغفرته، فأما الّذي أحزننا من ذلك فإن لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي من بعد ذو الرأي و الدين إلى جميل الصبر. و أما الّذي سرّنا منه فإنا قد علمنا أن قتله شهادة له و أن اللّه عز و جل جاعل لنا و له ذلك خيرة إن شاء اللّه تعالى. إن أهل العراق أسلموه و باعوه بأقل ثمن كانوا يأخذونه منه و أخسره، أسلموه إسلام/ النّعم المخطّم [١] فقتل، و لئن قتل لقد قتل أبوه و عمّه و أخوه و كانوا الخيار الصالحين، إنا و اللّه ما نموت حتف أنوفنا، ما نموت إلا قتلا، قعصا بين قصد [٢] الرّماح و تحت ظلال السّيوف و ليس كما يموت بنو مروان، و اللّه ما قتل رجل منهم في جاهلية و لا إسلام قط، و إنما الدنيا عارية من الملك القهار، الّذي لا يزول سلطانه، و لا يبيد ملكه، فإن تقبل الدنيا عليّ لا آخذها أخذ الأشر البطر، و إن تدبر عني لا أبك عليها بكاء الخرف المهتر. ثم نزل.
رجل من بني أسد يرثي مصعبا
و قال رجل من بني أسد بن عبد العزّى يرثي مصعبا:
لعمرك إنّ الموت منا لمولع
بكلّ فتى رحب الذّراع أريب
فإن يك أمسى مصعب نال حتفه
لقد كان صلب العود غير هيوب [٣]
جميل المحيّا يوهن القرن غربه
و إن عضّه دهر فغير رهوب
أتاه حمام الموت وسط جنوده
فطاروا شلالا [٤] و استقى بذنوب
و لو صبروا نالوا حبا [٥] و كرامة
و لكنّهم ولّوا بغير قلوب
كان مصعب أشجع الناس
قال: و قال عبد الملك يوما لجلسائه: من أشجع الناس؟ فأكثروا في هذا المعنى، فقال: أشجع الناس مصعب بن الزبير، جمع بين عائشة بنت طلحة و سكينة بنت الحسين و أمة [٦] الحميد بنت عبد اللّه بن عاصم، و ولي العراقين، ثم زحف إلى الحرب، فبذلت له الأمان/ و الحباء و الولاية و العفو عمّا خلص في يده، فأبى قبول ذلك، و اطّرح كل/ ما كان مشغوفا [٧] به من ماله و أهله وراء ظهره، و أقبل بسيفه قرما [٨] يقاتل و ما بقي معه إلا سبعة نفر حتى قتل كريما.
[١] المخطم: الّذي جعل الخطام على أنفه ليعتاد به.
[٢] قصد الرماح جمع قصدة؛ و هي القطعة منه بعد كسرها.
[٣] ف:
جميل المحيا يوهن القرن عزمه
و إن عزه دهر فغير هيوب
و إن يك أمسى مصعب نال حتفه
لقد كان صلب العود غير رهوب
[٤] فطاروا شلالا: فروا متفرقين.
[٥] الحبا: جمع حبوة، و هي العطية.
[٦] ف «و أمة الحميد ...».
[٧] ف «ما كان مشغولا به من ماله».
[٨] ف، مد «و أقبل بسيفه قدما» .. و قرم: شديد الرغبة، من قرم اللحم و إليه: اشتدت شهوته إليه فهو قرم.