الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠ - يشير على يزيد بن مزيد بإحراق كتاب وصله
يقري السّيوف نفوس النّاكثين به
و يجعل الرّوس تيجان القنا الذّبل
لا يعبق الطّيب خدّيه و مفرقه
و لا يمسّح عينيه من الكحل
إذا انتضى سيفه كانت مسالكه
مسالك الموت في الأجسام و القلل [١]
و إن خلت بحديث النّفس فكرته
عاش الرّجاء و مات الخوف من وجل [٢]
كاللّيث إن هجته فالموت راحته
لا يستريح إلى الأيّام و الدّول
للّه من هاشم في أرضه جبل
و أنت و ابنك ركنا ذلك الجبل
صدّقت ظنّي و صدّقت الظّنون به
و حطّ جودك عقد الرّحل عن جملي [٣]
قال: فأخذت منها بيتين، ثم قلت له: أنشدني أيضا ما لك فيه، فأنشدني قصيدة أخرى ابتداؤها:
/
طيف الخيال حمدنا منك إلماما
داويت سقما و قد هيّجت أسقاما
يقول فيها:
كالدّهر لا ينثني عمّا يهمّ به
قد أوسع النّاس إنعاما و إرغاما
قال: فأنشدت هذه الأبيات يزيد بن مزيد، فأمر له بخمسمائة درهم. ثم ذكرته بالرّقّة فقلت له: هذا الشّاعر الّذي قد مدحك فأحسن، تقتصر به على خمسمائة درهم! فبعث إليه بخمسمائة درهم أخرى، قال: فقال لي مسلم:
جاءتني و قد رهنت طيلساني على رءوس الإخوان [٤]، فوقعت منّي أحسن موقع.
تضمخ يزيد بالطيب ثم غسله لئلا يكذب قول مسلم
أخبرني محمد بن عمران، قال: حدّثنا العنزيّ، عن محمد بن بدر العجليّ، عن إبراهيم بن سالم، عن أبي فرعون مولى يزيد بن مزيد قال:
ركب يزيد يوما إلى الرّشيد فتغلّف بغالية [٥]، ثم لم يلبث أن عاد فدعا بطست فغسل الغالية، و قال: كرهت أن أكذّب قول مسلم بن الوليد:
لا يعبق الطّيب خدّيه و مفرقه
و لا يمسّح عينيه من الكحل
يشير على يزيد بن مزيد بإحراق كتاب وصله
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة، قال:
كان مسلم بن الوليد جالسا بين يدي يزيد بن مزيد فأتاه كتاب فيه مهمّ له، فقرأه سرّا و وضعه، ثم أعاد قراءته و وضعه، ثم أراد القيام، فقال له مسلم بن الوليد:
[١] في الديوان- ١٤ «في الأبدان و القلل».
[٢] في الديوان- ٢٤ «حيي الرجاء»، و في المستجاد- ١٠١:
«... بحديث النفس نظرته»
. و جاء في الشرح «إذا خلت بحديث النفس فكرته فإنه يفكر في بذل العطايا للناس فيموت خوفهم للفقر عند ذلك».
[٣] في ف «و حل جودك»، و المثبت من ما، مج، و الديوان- ٢٣، و جاء في الشرح «صدّقت ظني و ظن من علم إقبالي إليك، و أغنيتني عن السفر فلا أحتاج إلى أن أسافر بعدها أبدا».
[٤] ف «على رءوس لإخواني».
[٥] تغلف بغالية: تطيب بالطيب.