الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨٤ - شعره في الفضل بن الربيع حين أخذ البيعة للمهدي
دخل الرّبيع على المهديّ و أبو عبيد اللّه جالس يعرض كتبا، فقال له أبو عبيد اللّه: مر هذا أن يتنحّى- يعني الربيع- فقال له المهدي: تنحّ، فقال: لا أفعل. فقال: كأنك تراني بالعين الأولى! فقال: لا، بل أراك بالعين الّتي أنت بها. قال: فلم لا تتنحّى إذ أمرتك؟ فقال له: أنت ركن الإسلام، و قد قتلت ابن هذا، فلا آمن أن يكون معه حديدة يغتالك بها، فقام المهديّ مذعورا، و أمر بتفتيشه، فوجدوا بين جوربه و خفّه سكّينا، فردّت الأمور كلّها إلى الربيع، و عزل أبو عبيد اللّه، و ولّي يعقوب بن داود، فقال سلم الخاسر فيه:
يعقوب ينظر في الأمو
ر و أنت تنظر ناحيه
أدخلته فعلا عل
يك كذاك شؤم الناصية
قال: و كان بلغ المهديّ من جهة الربيع أن ابن أبي عبيد اللّه زنديق، فقال له المهديّ: هذا حسد منك. فقال:
افحص عن هذا، فإن كنت مبطلا بلغت منّي الّذي يلزم من كذبك. فأتى بابن عبيد اللّه، فقرّره تقريرا خفيّا، فأقرّ بذلك، فاستتابه، فأبى أن يتوب، فقال لأبيه: اقتله، فقال: لا تطيب نفسي بذلك. فقتله و صلبه على باب أبي عبيد اللّه.
/ قال: و كان ابن أبي عبيد اللّه هذا من أحمق الناس: وهب له المهديّ وصيفة، ثم سأله بعد ذلك عنها، فقال: ما وضعت بيني و بين الأرض حشيّة قطّ أوطأ منها حاشا سامع [١]، فقال المهديّ لأبيه: أ تراه يعنيني، أو يعنيك؟ قال: بل يعني أمّه الزانية، لا يكنى.
شعره في الفضل بن الربيع حين أخذ البيعة للمهدي
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني يحيى بن الحسن، قال: حدّثني أبي، قال:
كنت أنا و الربيع نسير قريبا من محمل المنصور حين [٢] قال للربيع: رأيت كأن الكعبة تصدّعت، و كأن رجلا جاء بحبل أسود فشدّدها، فقال له الربيع: من الرجل؟ فلم يجبه، حتى إذا اعتلّ قال للربيع: أنت الرجل الّذي رأيته في نومي شدّد الكعبة! فأيّ شيء تعمل بعدي؟ قال: ما كنت أعمل في حياتك، فكان من أمره في أخذ البيعة للمهديّ ما كان، فقال سلم الخاسر في الفضل بن الربيع:
يا بن [٣]
الّذي جبر الإسلام يوم و هي
و استنقذ الناس من عمياء صيخود [٤]
قالت قريش غداة أنهاض ملكهم:
أين [٥] الربيع و أعطوا بالمقاليد
فقام بالأمر مئناس بوحدته
ماضي العزيمة ضرّاب القماحيد [٦]
إن الأمور إذا ضاقت مسالكها
حلّت يد الفضل منها كلّ معقود
[١] كذا في الأصول: و قد تكون: سامع هذا.
[٢] في س «حتى»، و هو تحريف.
[٣] كذا في المختار، و في س «و ابن»، و ما أثبتناه هو ما يقتضيه بدء الكلام.
[٤] الصيخود، هي في الأصل: الصخرة الشديدة، و يوم صيخود: شديد الحر. وصف بها الفتنة الشديدة العمياء الّتي كان يمكن أن يتعرض لها الناس لو لا صنيع الفضل.
[٥] كذا في س، ف. و في مم «يا بن الربيع».
[٦] القماحيد، جمع القمحدوة، كالقلنسوة. و هي: الهنة الناشزة فوق القفا و أعلى القذال. و القذال: ما بين الأذنين من مؤخر الرأس.
و جمع القحمدوة قماحد، فأشبع كسرة الحاء.