الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٧ - غنى للمنتصر بشعر لم يطلبه منه فلم يصله بشيء
و هل ترك لنا أحدا يؤذينا بفراقه؟ و تطيّر من ذلك، فما فرغ من كلامه حتى دخل رسولها يعلمه/ أنها/ قد قدمت منذ ثلاثة أيام، و أنها قد جاءته زائرة على إثر رسولها، فقال في ذلك من وقته:
سقاك اللّه يا هد
هد و سميّا من القطر
كما بشّرت بالوصل
و ما أنذرت بالهجر
فكم ذا لك من بشرى
أتتني منك في ستر
كما جاءت سليمان
فأوفت منه بالنّذر
و لا زال غراب الب
ين في قفّاعة [١] الأسر
كما صرّح بالبين
و ما كنت به أدري
و لحنه في هذا الشّعر هزج.
غنى للمتوكل لحنا لم يعجبه فذكره بألحان له سابقة
حدّثني عمّي، قال: حدّثني ميمون بن هارون، قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن مصعب:
قال لي عبد اللّه بن العبّاس الربيعيّ: لمّا صنعت لحني في شعري:
ألا اصبحاني يوم السّعانين
من قهوة عتّقت بكركين [٢]
عند أناس قلبي بهم كلف
و إن تولّوا دينا سوى ديني
قد زيّن الملك جعفر و حكى
جود أبيه و بأس هارون
و أمّن [٣] الخائف البريء كما
أخاف أهل الإلحاد في الدّين
دعاني المتوكّل، فلما جلست في مجلس المنادمة غنّيت هذا الصّوت فقال لي: يا عبد اللّه، أين غناؤك في هذا الشعر في أيّامي هذه من غنائك في:
/
أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها
و أدنت على الخدّين بردا مهلهلا
و من غنائك في:
أقفر من بعد خلّة سرف
فالمنحنى فالعقيق فالجرف
و من سائر صنعتك المتقدّمة الّتي استفرغت محاسنك فيها، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنّي كنت أتغنّى في هذه الأصوات و لي شباب و طرب و عشق، و لو ردّ عليّ لغنّيت مثل ذلك الغناء، فأمر لي بجائزة و استحسن قولي.
غنى للمنتصر بشعر لم يطلبه منه فلم يصله بشيء
حدّثني عمّي، قال: حدّثنا أحمد بن المرزبان، قال: حدّثني أبي، قال:
ذكر المنتصر يوما عبد اللّه بن العبّاس و هو في قراح [٤] النّرجس مصطبح، فأحضره و قال له: يا عبد اللّه، اصنع
[١] القفاعة: شيء يتخذ من جريد النخل، ثم يرسل به على الصيد فيصاد.
[٢] كركين: من قرى بغداد (معجم ياقوت). و في ب «بكرين» و هو تحريف.
[٣] ف «و آس الخائف».
[٤] القراح من كل شيء: الخالص.