شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ١٦٤ - فصل في ما جاء في الكتب المتقدمة من التنويه بشرفه (صلى الله عليه و سلم) و التعريف بفضله
و لو لا محمد ما خلقت الجنة و النار، و لقد خلقت العرش- في طينته، أي: كتبت نبوتي و أظهرت لما خلق آدم قبل نفخ الروح فيه كما يكتب اللّه رزق العبد و أجله و عمله و شقي أو سعيد إذا خلق الجنين قبل نفخ الروح فيه، قال: فإذا كان الإنسان هو خاتم المخلوقات و آخرها و هو الجامع لما فيها، و فاضله هو فاضل المخلوقات مطلقا، و محمد هو إنسان هذا العين، و قطب هذا الرحى، و أقسام هذا الجمع كان كأنها غاية الغايات في المخلوقات، قال: فما ينكر أن يقال: إنه لأجله خلقت جميعها، و أنه لولاه لما خلقت، قال: فإذا فسر هذا و نحوه بما يدل عليه الكتاب و السنة قبل ذلك، قال: و يمكن أن يفسر بوجه صحيح كقوله: سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ الآية، و قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ. وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ. وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها الآية، و أمثال ذلك من الآيات التي يبين فيها أنه خلق المخلوقات لبني آدم، و معلوم أن لله فيها حكما عظيمة غير ذلك و أعظم من ذلك، و لكن ليبين لبني آدم ما فيها من المنفعة و ما أسبغ عليهم من النعمة. اه.
قلت: و منه قول الشيخ القسطلاني في المواهب: فإن قلت: مذهب الأشاعرة أن أفعال المولى عزّ و جلّ ليست معللة بالأغراض، فكيف تكون خلقة محمد (صلى الله عليه و سلم) علة في آدم (عليه السلام)؟ أجيب: بأن الظاهر من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم و المصالح التي هي غايات و منافع لأفعاله تعالى لا بواعث على إقدامه و لا علل مقتضية لفاعليته، لأن ذلك محال في حقه سبحانه و تعالى لما فيه من اكتماله بغيره، قال: و النصوص شاهدة بذلك كقوله تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي: قرنت الخلق بالعبادة أي خلقتهم و فرضت عليهم العبادة، فالتعليل لفظي لا حقيقي لأن اللّه تعالى مستغن عن المنافع، فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه و لا إلى غيره لأن اللّه تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل. اه.