شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٢١٨ - فصل ذكر حديث قس بن ساعدة
فوثب رجل فقال: بينا يا رسول اللّه نحن في ملاعبنا فإذا أنا بقس ابن ساعدة واقف على عين ماء متزر بشملة، و مرتدي بأخرى،- ثم أنشأ يقول:
يا نبي الهدى أتتك رجال * * * قطعت فدفدا و آلا فآلا
و طوت نحوك الصحاصح طرا * * * لا تخال الكلال فيك كلالا
كل دهماء يقصر الطرف عنها * * * أرقلتها قلاصنا إرقالا
و طوتها الجياد تجمع فيها * * * بكماة كأنجم تتلألأ
تبتغي دفع بأس يوم عبوس * * * أوجل القلب ذكره ثم هالا
فلما سمع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ذلك فرح فرحا شديدا، و قربه و أدناه، و رفع مجلسه و حباه، و أكرمه، و قال: يا جارود، لقد تأخر بك و بقومك الموعد، و طال بكم الأمد، قال: و اللّه يا رسول اللّه، لقد أخطأ من أخطأك قصده، و عدم رشده، و تلك و ايم اللّه أكبر خيبة، و أعظم حوبة، و الرائد لا يكذب أهله، و لا يغش نفسه، لقد جئت بالحق، و نطقت بالصدق، و الذي بعثك بالحق نبيّا و اختارك للمؤمنين وليّا، لقد وجدت وصفك في الإنجيل، و لقد بشر بك ابن البتول، و طول التحية لك و الشكر لمن أكرمك و أرسلك، لا أثر بعد عين، و لا شك بعد يقين، مد يدك، فأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنك محمد رسول اللّه.
قال: فآمن الجارود، و آمن من قومه كل سيد، و سر النبي (صلى الله عليه و سلم) بهم سرورا، و ابتهج حبورا، و قال: يا جارود، هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قسّا؟
قال: كلنا نعرفه يا رسول اللّه، و أنا من بين قومي كنت أقفو أثره و أطلب خبره:
كان قس سبطا من أسباط العرب، صحيح النسب، فصيحا إذا خطب، ذا شيبة حسنة، عمّر سبعمائة سنة، يتقفر القفار، لا تكنه دار، و لا يقره قرار، يتحسى في تقفره بيض النعام، و يأنس بالوحش و الهوام، يلبس المسوح، و يتبع السيّاح على منهاج المسيح، لا يفتر من الرهبانية، و تتبعه الأبدان،-