شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٩٩ - جامع أبواب بشائره (صلى الله عليه و سلم) باب في شأن من آمن برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبل مبعثه (صلى الله عليه و سلم) بألف سنة
ثم إنهم اجتمعوا و تشاوروا، فاعتزل من بين أربعة آلاف أربعمائة- منهم صاحبه- أنهم لا يخرجون من ذلك المقام و إن ضربهم الملك و قتلهم و قرضهم و حرقهم، و جاءوا بجملتهم، و وقفوا بباب الملك و قالوا: إنا خرجنا من بلداننا، و طفنا مع الملك زمانا و جئنا هذا المقام إلى أن نموت فيه، فإنا قد عقدنا أن لا نخرج من هذا المقام و إن قتلنا و حرقنا.
فقال الملك للوزير: انظر ما شأنهم، يمتنعون عن الخروج معي و أنا أحتاج إليهم و لا أستغني عنهم، و أي حكمة في نزولهم في هذا المقام و اختيارهم ذلك؟
فخرج الوزير و جمعهم، و ذكر لهم قول الملك، فقالوا للوزير مثل ما قالوا للملك، فقال الوزير: فما الحكمة في ذلك؟
قالوا: اعلم أيها الوزير أن شرف هذا البيت و شرف هذه البلدة بسبب شرف الرجل الذي يخرج يقال له: محمد، إمام الحق، صاحب القضيب و الناقة، صاحب التاج و الهراوة، صاحب القرآن و القبلة، صاحب اللواء و المنبر، صاحب قول لا إله إلا اللّه، مولده بمكة، و هجرته إلى هاهنا، فطوبى لمن أدركه، و آمن به، و كنا على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا.
فلما سمع الوزير مقالتهم همّ أن يقيم معهم، فلما جاء وقت الرحيل أمر الملك أن يرتحلوا، فقالوا بأجمعهم: لا نرتحل، و قد أخبرنا الوزير بحكمة مقامنا هاهنا، فدعا الملك الوزير و قال له: لم لم تخبرني بمقالة القوم؟ فقال: قد عزمت على المقام معهم و خفت أن لا تدعني، و اعلم أنهم لا يخرجون.