شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٣٨١ - باب في ذكر رضاع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)
اقترب، اقتلوا هذا الغلام و اقتلوني معه، فإنكم إن تركتموه و أدرك مدرك الرجال ليسفّهنّ أحلامكم، و ليكذبنّ أديانكم، و ليدعونّكم إلى ربّ تعرفونه، و دين تنكرونه.
قالت: فلما سمعت مقالته انتزعته من يده و قلت: لأنت أعته و أجنّ من ابني، و لو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك، فإنا لا نقتل محمدا (صلى الله عليه و سلم).
فاحتملته فأتيت به منزلي فما علمنا منزلا من منازل بني سعد إلا و قد شممنا منه ريح المسك الإذفر، و كان في كل يوم ينزل عليه رجلان أبيضان فيغيبان في ثيابه و لا يظهران، فقال الناس:
ردّيه على عبد المطلب و اخرجي من أمانتك، قالت: فعزمت على ذلك، فسمعت مناديا ينادي: هنيئا لك يا بطحاء مكة، اليوم يردّ إليك النّور و الزّين و البهاء و الكمال، فقد أمنت من أن تجدبين أو تخربين أبد الآبدين، و دهر الداهرين.
قالت: فركبت أتاني و حملت النبي (صلى الله عليه و سلم) بين يدي، و أقبلت أسير حتى أتيت إلى الباب الأعظم- من أبواب مكة- و عليه جماعة مجتمعون، فوضعته لأقضي حاجتي و أصلح ثيابي، فسمعت هدّة شديدة، فالتفتّ فلم أره، فقلت: معاشر الناس أين الصبي؟ فقالوا: أيّ صبيّ؟ قالت قلت:
محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب الذي نضّر اللّه به وجهي، و أغنى عيلتي، و أشبع جوعتي، ربّيته حتى أدركت فيه سروري و أملي، فأتيت به لأردّه، و أخرج من أمانتي فاختلس من يدي قبل أن تمسّ قدمه الأرض، و اللات و العزّى لئن لم أره لأرمينّ نفسي من شاهق الجبل، و لأتقطّعنّ إربا إربا.