شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٤٥٨ - باب في ذكر عصمة اللّه نبيه (صلى الله عليه و سلم) من التدين بغير الحق
من أيام مكة، فلما التقينا حيّا كل واحد منهما صاحبه بتحية الجاهلية:
- قال: و الوجه الثاني: أن يكون ذبح لزاده في خروجه فاتفق ذلك عند صنم كانوا يذبحون عنده، فكان الذبح منهم للصنم، و الذبح منه للّه تعالى، إلّا أن الموضع جمع بين الذبحتين، فأما ظاهر ما جاء به الحديث فمعاذ اللّه.
قال: فأما حديث ابن عمر و سعيد بن زيد (يعني: المتقدمين) فليس فيهما بيان أنه (صلى الله عليه و سلم) ذبح أو أمر بذلك، و لعل زيدا ظن أن ذلك اللحم مما كانت قريش تذبحه لأنصابها، فامتنع لذلك، و لم يكن الأمر كما ظن، فإن كان ذلك فعل فبغير أمره و لا رضاه، قال: و الفقهاء من الصحابة و التابعين مختلفون فيما ذبح لصنم أو كنيسة، فرخص فيه قوم إذا كانت الذكاة وقعت موقعها، و لم يلتفتوا إلى ما أضمره الذابح، فرخص أبو الدرداء، و أبو العرباض، و عبادة و جماعة من التابعين، و كرهه ابن عمر و عائشة و جماعة من التابعين، قال: و كراهة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أصوب و أحسن من غير طعن على من رخص و لا مخطّئه.
و قال الحافظ الذهبي معلقا على الوجه الثاني الذي ذكره الحربي: قلت:
هذا حسن فإنما الأعمال بالنية، أما زيد فأخذ الظاهر، و كان الباطن للّه، و ربما سكت النبي (صلى الله عليه و سلم) عن الإفصاح خوف الشر فإنما مع علمنا بكراهيته للأوثان، نعلم أيضا أنه ما كان قبل النبوة مجاهرا بذمها بين قريش و لا معلنا بمقتها قبل المبعث، ثم أورد رواية إبراهيم الحربي من طريق المسعودي عن نفيل بن هشام، عن أبيه عن جده قال: مر زيد برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بابن حارثة و هما يأكلان في سفرة فدعواه فقال: إني لا آكل مما ذبح على النصب، قال: و ما رؤي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) آكلا مما ذبح على النصب.
قال الحافظ الذهبي (رحمه اللّه) و رضي عنه: فهذا اللفظ مليح يفسر ما قبله، قال: و ما زال المصطفى محفوظا محروسا قبل الوحي و بعده، و لو احتمل جواز ذلك، قال: فبالضرورة ندري أنه كان يأكل من ذبائح قريش قبل الوحي و كان ذلك على الإباحة، و إنما توصف ذبائحهم بالتحريم بعد نزول-