شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٣٧٨ - باب في ذكر رضاع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)
الرضاع في كل دعة و سرور، ما غسلت له بولا قط، طهارة و نظافة، إنما كان له في كل يوم وقت واحد يتوضأ فيه و لا يعود إلا في وقته من الغد، و اجتنبت زوجي جهدي و هو في الرضاع.
فلما ترعرع كان يخرج إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم، فقال لي يوما من الأيام: ما لي لا أرى إخوتي بالنهار؟ قالت: قلت: فدتك نفسي يرعون غنما لنا، فيروحون من ليل إلى ليل، فأسبل عينيه و بكى، و قال:
يا أماه فما أصنع إذا هاهنا وحدي؟ ابعثي بي غدا معهم، قالت: قلت:
و تحب ذلك؟ قال: نعم، فلما أصبح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دهنته و كحلته و قمصته و عمدت إلى جذعة يمانية فعلقتها في عنقه حرزا من العين، و أخذ عصا و خرج مع إخوته، و كان يخرج مسرورا و يرجع مبرورا، فلما كان يوما من الأيام خرجوا يرعون بهما لنا حول بيوتنا، فلما انتصف النهار إذا أنا بابني ضمرة يعدو، قد علاه العرق و رشح الجبين باكيا ينادي: يا أماه، يا أباه أدركا أخي محمدا، فما أراكما تلحقانه إلا ميتا.
قالت قلت: و ما قصته؟ قال: بينا نحن قيام نترامى بيننا بالجلّة، و نلعب إذ أتاه رجل فاختطفه من أواسطنا و علا به على ذروة من الجبل، قوله: «و عمدت إلى جذعة»:
بالذال المعجمة و يقال: بالدال المهملة، و في اللسان: قال أبو الهيثم:
الذي عندنا في ذلك أن الجدع و الجذع واحد، و هو حبس من تحبسه على سوء، و في رواية: و عمدت إلى خرزة جزع يمانية.
قوله: «بالجلة»:
بالجيم و تشديد اللام، وعاء يتخذ من الخوص، يوضع فيه الثمر، و قيل:
المراد هنا البعر.