وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢٣ - الفصل الرابع في آداب الزيارة و المجاورة، و هي كثيرة
صلى الله تعالى عليه و سلم، و يبكر بعد صلاة الصبح في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم حتى يعود و يدرك جماعة الظهر فيه، قال الكمال بن الهمام محقق الحنفية: و يزور جبل أحد نفسه؛ ففي الصحيح «أحد جبل يحبنا و نحبه».
و منها: أنه يستحب استحبابا متأكدا كما قال النووي- أن يأتي مسجد قباء، و في يوم السبت أولى، ناويا التقرب بزيارته و الصلاة فيه، و إذا قصد إتيانه توضأ و ذهب، و لا يؤخر الوضوء حتى يصل إليه.
و منها: أن يأتي بقية المساجد و الآثار المنسوبة للنبي صلى الله تعالى عليه و سلم بالمدينة مما علمت عينه أو جهته، و كذا الآبار التي شرب منها صلى الله تعالى عليه و سلم أو توضأ أو اغتسل، فيتبرك بمائها، صرح جماعة من الشافعية و غيرهم باستحباب ذلك كله، و قد كان ابن عمر (رضي الله تعالى عنهما) يتحرّى الصلاة و النزول و المرور حيث حل النبي صلى الله تعالى عليه و سلم و نزل و غير ذلك.
و مأخذ ما نقل عن مالك مما يخالف هذا سدّا للذريعة، تبعا لعمر (رضي الله تعالى عنهما)، ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن المعرور بن سويد أنه خرج مع عمر (رضي الله تعالى عنه) في حجة حجها، فلما رجع من حجّته رأى الناس ابتدروا المسجد، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلّى فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: هكذا أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار الأنبياء بيعا، من عرضت له منكم الصلاة فيه فليصل، و من لم تعرض له فليمض.
و قال عياض في الشفاء: و من إعظامه صلى الله تعالى عليه و سلم و إكباره إعظام جميع أشيائه، و إكرام جميع مشاهده و أمكنته و معاهده، و ما لمسه صلى الله تعالى عليه و سلم بيده أو عرف به، انتهى.
قلت: ذلك بزيارة تلك المشاهد و التبرك بها، و لله در القائل:
خليليّ هذا ربع عزة فاعقلا * * * قلوصيكما، ثم انزلا حيث حلّت
و مسّا ترابا طال ما مسّ جلدها * * * و ظلّا و بيتا حيث باتت و ظلّت
و لا تيأسا أن يمحو الله عنكما * * * ذنوبا إذا صلّيتما حيث صلّت
و ذكر خليل المالكي في منسكه استحباب زيارة البقيع، و مسجد قباء، و غير ذلك، ثم قال: و هذا إنما يكون فيمن كثرت إقامته بالمدينة، و إلا فالمقام عنده (عليه الصلاة و السلام) أحسن؛ ليغتنم مشاهداته صلى الله تعالى عليه و سلم، و قد قال ابن أبي جمرة: لما دخلت مسجد المدينة ما جلست إلا الجلوس في الصلاة، و ما زلت واقفا هناك حتى رحل