وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢٧ - الفصل الرابع في آداب الزيارة و المجاورة، و هي كثيرة
آخر العهد من زيارة قبر نبيك صلى الله تعالى عليه و سلم. قال: ثم يتوجه إلى الروضة، و يصلي ركعتين عند الخروج، و يسأل الله العود مع السلامة و العافية.
قلت: و هو صريح في تقديم وداع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) على توديع المسجد بالركعتين، و مقتضى كلام النووي و غيره ما قدمناه، و ممن صرح بمقتضاه في تقديم الصلاة على توديعه صلى الله تعالى عليه و سلم أبو سليمان داود الشاذلي من المالكية في كتابه النيات و الانتصار، و الأصل في ذلك كما أشار إليه ابن عساكر حديث أنس (رضي الله تعالى عنه) أن النبي صلى الله تعالى عليه و سلم «كان لا ينزل منزلا إلا ودّعه بركعتين».
و منها: أن ينصرف عقب ذلك تلقاء وجهه، و لا يمشي القهقرى إلى خلفه، و يكون متألما متحزنا على فراق الحضرة النبوية، متأسفا على ما يفوته من تركه ملازمتها، و هناك تظهر من المحبين سوابق العبرات، و يتصعد من بواطنهم لقوة الوجد لواحق الزفرات.
و أنشد أبو الفضل الجوهري في توديعه النبي صلى الله تعالى عليه و سلم:
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا * * * و شهدت كيف نكرر التوديعا
لعلمت أن من الدموع محدّثا * * * و علمت أن من الحديث دموعا
و قال العز بن جماعة: أنشدني والدي يعني البدر بن جماعة- لنفسه و هو يبكي عند وداعه لسفره من المدينة الشريفة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و السلام:
أحنّ إلى زيارة حيّ ليلى * * * و عهدي من زيارتها قريب
و كنت أظن قرب الدار يطفي * * * لهيب الشوق فازداد اللهيب
و لله در القائل:
أرسلت أعيني دموعا غزارا * * * و حوت أضلعي لهيبا و نارا
و تناآى صبري و هل بعد بعد * * * يجد الصب سلوة و اصطبارا
يا ديار الأحباب كان اختياري * * * أن أراك المساء و الأبكارا
ذاك لو يسمح الزمان، و لكن * * * ليس لي أن أعارض الأقدارا
ليس نأيي رضى و عن طيب نفس * * * إنما كان بالقضاء اضطرارا
و اختياري أن لا أفارقك الده * * * ر و لكن لا أملك الاختيارا
فعسى الله أن يمن بعود * * * فعساه يطفي لهيبا و نارا
و منها: أن يستصحب منه هدية ليدخل بها السرور على أهله و معارفه، من غير أن يتكلفها، سيما ثمار المدينة و مياه آبارها النبوية، و لا يستصحب شيئا من تراب حرم المدينة و لا من الأكر المعمولة منه، قال النووي: و كذا الأباريق و الكيزان و غير ذلك من التراب و الأحجار فإنه لا يجوز.