وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢٨ - الفصل الرابع في آداب الزيارة و المجاورة، و هي كثيرة
قلت: و قد سبق واضحا في الحرم، و استدلوا لاستحباب استصحاب الهدية بحديث ضعيف رواه الدار قطني عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أن النبي صلى الله تعالى عليه و سلم قال «إذا سافر أحدكم فليهد لأهله، و ليطرفهم و لو كانت حجارة» و ذكر الغزالي في الإحياء سببا لذلك، و هو تشوف النفوس إلى ذلك، خصوصا الأولاد و نحوهم.
و منها: أن يتصدق بشيء مع خروجه من المدينة الشريفة، و ينوي حينئذ ملازمة التقوى، و الاستعداد للقاء الله و رسوله صلى الله تعالى عليه و سلم في يوم الميعاد، و ليحذر كل الحذر بعد ذلك من مقارفة الذنوب، فإن النّكسة أشد من المرض، و ليحافظ على الوفاء بما عاهد الله تبارك و تعالى عليه، و لا يكون خوّانا أثيما فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، و من أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما.
و منها: أن يكون مع ذلك دائم الأشواق لذلك المزار، و مشاهدة عظيم تلك الآثار، متعلق القلب بالعود إلى تلك الديار، ينمي شوقه بتأمل ما نقل في ذلك من الأخبار و الآثار، و ما نظم فيه من نفائس الأشعار.
و من أعذبها و أعجبها قصيدة الإمام الولي العارف بالله أبي محمد البكري، و قد أخبرني بها جماعة من المشايخ الأجلّاء المسندين منهم شيخنا الشيخ الإمام العلامة شيخ المحدثين بالمسجد النبوي ناصر الدين أبو الفرج محمد ابن الإمام العلامة قاضي طيبة زين الدين أبي بكر بن الحسين العثماني المراغي سماعا عليه بالروضة الشريفة النبوية، قال:
أخبرني والدي إذنا إن لم يكن سماعا قال: أخبرني شيخنا الحافظ أبو السيادة عبد الله عفيف الدين بن محمد بن أحمد المطري قراءة عليه، قال: أخبرني الشيخ الإمام العارف أبو محمد عبد الله بن عمر بن موسى البكري سماعا غير مرة، قال:
دار الحبيب أحقّ أن تهواها * * * و تحنّ من طرب إلى ذكراها
و على الجفون متى هممت بزورة * * * يا ابن الكرام عليك أن تغشاها
فلأنت أنت إذا حللت بطيبة * * * و ظللت ترتع في ظلال رباها
مغنى الجمال مني الخواطر و التي * * * سلبت عقول العاشقين حلاها
لا تحسب المسك الذكي كتربها * * * هيهات أين المسك من ريّاها
طابت فإن تبغي التطيب يا فتى * * * فأدم على الساعات لثم ثراها
و ابشر ففي الخبر الصحيح مقررا * * * أن الإله بطابة سماها
و اختصها بالطيبين لطيبها * * * و اختارها و دعا إلى سكناها
لا كالمدينة منزل، و كفى لها * * * شرفا حلول محمد بفناها