وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢٠ - الفصل الرابع في آداب الزيارة و المجاورة، و هي كثيرة
تعالى عنهما، فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر و لا يريدونه و يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، و ربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون و يدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، و تركه واسع، و لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، و لم يبلغني عن أول هذه الأمة و صدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، و يكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
قال الباجي: ففرق بين أهل المدينة و الغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك، و أهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر و التسليم.
قال السبكي: و المتلخّص من مذهب مالك أن الزيارة قربة، و لكنه على عادته في سد الذرائع يكره منها الإكثار الذي قد يفضي إلى محذور، و المذاهب الثلاثة يقولون باستحبابها و استحباب الإكثار منها؛ لأن الإكثار من الخير خير.
و قال النووي في زيارة القبور من الأذكار: و يستحب الإكثار من الزيارة، و أن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير و الفضل. و سبق في الفصل العشرين من الباب الرابع قول عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) في خبر هدم جدار الحجرة: كنت أخرج كل ليلة من آخر الليل حتى آتي المسجد فأبدأ بالنبي صلى الله تعالى عليه و سلم فأسلم عليه، ثم آتي مصلاي فأجلس به حتى أصلي الصبح.
و روى ابن زبالة عن عبد العزيز بن محمد قال: رأيت رجلا من أهل المدينة يقال له محمد بن كيسان يأتي إذا صلّى العصر من يوم الجمعة- و نحن جلوس مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن فيقوم عند القبر فيسلم على النبي صلى الله تعالى عليه و سلم، و يدعو حتى يمسي، فيقول جلساء ربيعة: انظروا إلى ما يصنع هذا؟ فيقول: دعوه فإنما للمرء ما نوى.
و قال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال ابن عجلان لبعض الأمراء: إنك تطيل ثيابك، و تطيل الخطبة، و تكثر المجيء إلى قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم، فلو كان فيه العجلان ما أتيته.
و منها: إكثار الصلاة و التسليم على النبي صلى الله تعالى عليه و سلم، و إيثار ذلك على سائر الأذكار، ما دام هناك.
و منها: اغتنام ما أمكن من الصيام و لو يسيرا من الأيام.
و منها: الحرص على فعل الصلوات الخمس بالمسجد النبوي في الجماعة، و الإكثار من النافلة فيه، مع تحري المسجد الذي كان في زمنه صلى الله تعالى عليه و سلم، إلا أن يكون الصفّ الأول خارجه فهو أولى، و إن أمكنه ملازمة المسجد، و أن لا يفارقه إلا