وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢١٩ - الفصل الرابع في آداب الزيارة و المجاورة، و هي كثيرة
يفعله السلف الصالح، و الخير كله في اتباعه، و من خطر بباله أن تقبيل الأرض أبلغ في البركة فهو من جهالته و غفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع و أقوال السلف و عملهم، قال: و ليس عجبي ممن جهل ذلك فارتكبه، بل عجبي ممن أفتى بتحسينه مع علمه بقبحه و مخالفته لعمل السلف، و استشهد لذلك بالشعر، انتهى.
قلت: و قد شاهدت بعض جهال القضاة فعل ذلك بحضرة الملأ، و زاد عليه وضع الجبهة كهيئة الساجد، فتبعه العوام، و لا قوة إلا بالله.
و منها: أن لا يمر بقبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى يقف و يسلم عليه، سواء مر من داخل المسجد أو من خارجه، و يكثر من قصده و زيارته.
روى الأقشهري بسنده لابن أبي الدنيا قال: حدثني الحسين بن عبد العزيز قال:
حدثنا الحارث بن سليمان قال: أنبأنا ابن وهب قال: أنبأنا عبد الرحمن بن زيد أن أبا حازم حدثه أن رجلا أتاه فحدثه أنه رأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول لأبي حازم: أنت المارّ بي معرضا لا تقف تسلم عليّ؟ فلم يدع ذلك أبو حازم منذ بلغته هذه الرؤيا.
و في كتاب الجامع من البيان لابن رشد شرح العتبية، ما لفظه: و سئل- يعني مالكا عن المار بقبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أ ترى أن يسلم كلما مر؟ قال: نعم، أرى ذلك، عليه أن يسلم كلما مر به، و قد أكثر الناس من ذلك، فإذا لم يمر به فلا أرى ذلك، و ذكر حديث «اللهم لا تجعل قبري وثنا» الحديث.
قال: فقد أكثر الناس من هذا، فإذا لم يمر عليه فهو في سعة من ذلك، قال: و سئل عن الغريب يأتي قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كل يوم، فقال: ما هذا من الأمر، و لكن إذا أراد الخروج، قال ابن رشد: المعنى في ذلك أنه يلزمه أن يسلم عليه كلما مر به متى ما مر، و ليس عليه أن يأتي ليسلم عليه إلا للوداع عند الخروج، و يكره أن يكثر المرور به، و السلام عليه، و الإتيان كل يوم إليه؛ لئلا يجعل القبر بفعله ذلك كالمسجد الذي يؤتى كل يوم للصلاة فيه، و قد نهى صلى الله تعالى عليه و سلم عن ذلك بقوله «اللهم لا تجعل قبري وثنا» الحديث.
و قال عياض في الشفاء: قال مالك في كتاب محمد: و يسلم على النبي صلى الله تعالى عليه و سلم إذا دخل و خرج، يعني في المدينة، و فيما بين ذلك، و قال مالك في المبسوط: و ليس يلزم من دخل المسجد و خرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، و إنما ذلك للغرباء، و قال فيه أيضا: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله تعالى عليه و سلم، فيصلي عليه، و يدعو له و لأبي بكر و عمر رضي الله