وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٤٥ - ثنية الوداع
قلت: و ذلك لأن ثنية الوداع ليست من جهة طريق مكة، على أني أقول: إن ذلك لا يمنع من كونه في الهجرة عند القدوم من قباء؛ لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) ركب ناقته، و أرخى لها زمامها، و قال: دعوها فإنها مأمورة، و مر بدور الأنصار كما سبق، حتى مر ببني ساعدة، و دارهم في شاميّ المدينة قرب ثنية الوداع، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية حتى أتى منزله بها، و قد عرج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في رجوعه من بدر إلى ثنية الوداع؛ لما في مغازي ابن عقبة أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) سلك حين خرج إلى بدر حتى ثقب بني دينار، و رجع حين رجع من ثنية الوداع.
و ذكر البيهقي في الدلائل في القدوم من غزوة تبوك الخبر في قول النساء و الصبيان و الولائد طلع البدر علينا إلى آخره، ثم قال: و هذا يذكره علماؤها عند مقدمه المدينة من مكة، و قد ذكرناه عنده، إلا أنه إنما قدم المدينة من ثنية الوداع عند مقدمه من تبوك، انتهى. و قد تقدم ما يوضح ذلك.
و قال عياض: ثنية الوداع موضع بالمدينة على طريق مكة، سمي بذلك لأن الخارج منها يودعه مشيعه، و قيل: لوداع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بعض المسلمين المقيمين بالمدينة في بعض خرجاته، و قيل: ودّع فيها بعض أمراء سراياه، و قيل: الوداع واد بمكة كذا قاله المظفر في كتابه، و حكى أن إماء أهل مكة قلنه في رجزهم عند لقاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم الفتح، خلاف ما قاله غيره من أن نساء أهل المدينة قلنه عند دخوله (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة و الأول أصح؛ لذكر الأنصار ذلك مقدم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة، فدل على أنه اسم قديم لها، اه.
و قال الحافظ ابن حجر في خبر السائب بن يزيد المتقدم: إن الداودي أنكره، و تبعه ابن القيم، و قال: ثنية الوداع من جهة مكة، لا من جهة تبوك، بل هي في مقابلها كالمشرق من المغرب، إلا أن يكون هناك ثنية أخرى في تلك الجهة، قال ابن حجر عقبه:
و لا يمنع كونها من جهة مكة أن يكون الخارج إلى جهة الشام من جهتها.
ثم ذكر رواية الخليعات في قول النسوة، و قال: قيل كان ذلك عند قدوم الهجرة، و قيل: عند القدوم من غزوة تبوك، اه.
و مراد الداودي حيث وصف الثنية بما ذكره أنها موضع لا يسلكها الخارج إلى جهة الشام، فكيف يجاب بهذا؟ و سيأتي في المدرج أنه الثنية المشرفة على العقيق و المدينة، و أنها ثنية الوداع عند من ذهب إلى أنها من جهة مكة، فهي كما قال الداودي و قد تبعه المجد فصرح به في ترجمة المدرج، و قال هنا: هي ثنية مشرفة على المدينة، يطؤها من يريد مكة، و قيل: من يريد الشام، و اختلف في تسميتها بذلك فقيل: لأنها موضع وداع المسافرين من المدينة إلى مكة، و قيل: لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ودّع بعض من خلفه بالمدينة في آخر