وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٨٥ - الفصل الثاني في بقية أدلة الزيارة، و إن لم تتضمّن لفظ الزيارة نصّا
علقمة و الأسود و عمرو بن ميمون من التابعين، و لعل سببه عندهم كما قال السبكي إيثار الزيارة، و ممن اختار البداءة بمكة ثم إتيان المدينة و القبر الإمام أبو حنيفة (رضي الله تعالى عنه)، ففي فتاوى أبي اللّيث السّمرقندي: روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال:
الأحسن للحاج أن يبدأ بمكة، فإذا قضى نسكه مر بالمدينة، و إن بدأ بها جاز، فيأتي قريبا من قبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فيقوم بين القبر و القبلة.
و قد أوضح السبكي أمر الإجماع على الزيارة قولا و فعلا، و سرد كلام الأئمة في ذلك، و بين أنها قربة بالكتاب، و السنة، و الإجماع، و القياس.
أما الكتاب فقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ [النساء: ٦٤] الآية دالة على الحث بالمجيء إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)، و الاستغفار عنده، و استغفار لهم و هذه رتبة لا تنقطع بموته صلى الله تعالى عليه و سلم، و قد حصل استغفاره لجميع المؤمنين؛ لقوله تعالى وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ [محمد: ١٩] فإذا وجد مجيئهم فاستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله و لرحمته. و قوله: (اسْتَغْفَرَ لَهُمُ) معطوف على قوله: (جاؤُكَ) فلا يقتضي أن يكون استغفار الرسول بعد استغفارهم مع أنا لا نسلم أنه لا يستغفر بعد الموت؛ لما سبق من حياته و من استغفاره لأمته بعد الموت عند عرض أعمالهم عليه، و يعلم من كمال رحمته أنه لا يترك ذلك لمن جاءه مستغفرا ربه.
و العلماء فهموا من الآية العموم لحالتي الموت و الحياة، و استحبوا لمن أتى القبر أن يتلوها و يستغفر الله تعالى، و حكاية الأعرابي في ذلك نقلها جماعة من الأئمة عن العتبي، و اسمه محمد بن عبيد الله بن عمرو، أدرك ابن عيينة و روى عنه، و هي مشهورة حكاها المصنفون في المناسك من جميع المذاهب، و استحسنوها، و رأوها من أدب الزائر، و ذكرها ابن عساكر في تاريخه، و ابن الجوزي في مثير الغرام الساكن، و غيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي، قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فزرته و جلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثم قال: يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتابا صادقا قال فيه وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إلى قوله رَحِيماً و إني جئتك مستغفرا ربك من ذنوبي، متشفعا بك، و في رواية: و قد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي، ثم بكى و أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * * * فطاب من طيبهن القاع و الأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * * * فيه العفاف و فيه الجود و الكرم