وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٨٩ - الفصل الثاني في بقية أدلة الزيارة، و إن لم تتضمّن لفظ الزيارة نصّا
قال السبكي: و يمكن أن يقال: إن قصد بذلك التعظيم فالحق ما قاله الشيخ أبو محمد؛ لأنه تعظيم لما لم يعظمه الشرع، و إن لم يقصد مع عينه أمر آخر فهذا قريب من العبث؛ فيترجح ما قاله أبو علي.
و ذهب الداودي إلى أن ما قرب من المساجد الفاضلة من المصر فلا بأس بإتيانه مشيا و ركوبا، استدل بمسجد قباء لأن شد الرحال لا يكون لما قرب غالبا، و نقل عياض أنه إنما يمنع إعمال المطيّ للناذر، و مذهبنا و مذهب الجمهور أنه لا يصح نذر ما سوى المساجد الثلاثة، و مذهب ليث بن سعد صحة ذلك مطلقا، و قال بعضهم: يلزم ما لم يكن شد رحل كمسجد قباء و هو قول محمد بن مسلمة المالكي.
و روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن عبد الله بن عباس (رضي الله تعالى عنهما) سئل عمن جعل على نفسه مشيا إلى مسجد قباء و هو بالمدينة، فألزمه ذلك، و أمره أن يمشي، قال ابن حبيب في الواضحة: فكذلك من نذر أن يمشي إلى مسجده الذي يصلي فيه مكتوبته، و ليس بلازمه فيما نأى عنه من المساجد لا ماشيا و لا راكبا. قال السبكي: هذا كله في قصد المكان لعينه، أو قصد عبادة فيه تمكن في غيره، أما قصده بغير نذر لغرض فيه كالزيارة و شبهها فلا يقول أحد فيه بتحريم و لا كراهة، مع أن السفر بقصد زيارة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) غايته مسجد المدينة؛ لأنها إنما تكون فيه لمجاورته القبر الشريف، و غرض الزائر التبرك بالحلول في ذلك المحل، و التسليم على من بذلك القبر الشريف، و تعظيم من فيه كما لو كان حيا بالحياة المألوفة فسافر إليه، و ليس القصد تعظيم بقعة القبر لعينها.
و قال الماوردي: قال أصحابنا عند ذكر من يلي أمر الحج: فإذا قضى الناس حجهم أمهلهم الأيام التي جرت عادتهم بها، فإذا رجعوا سار بهم على طريق مدينة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، رعاية لحرمته، و قياما بحقوق طاعته، و ذلك و إن لم يكن من فروض الحج فهو من مندوبات الشرع المستحبة، و عبادات الحجيج المستحسنة، و قال القاضي الحسين: إذا فرغ من الحج فالسنة أن يقف بالملتزم و يدعو، قال: ثم يأتي المدينة، و يزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه و سلم. و قال القاضي أبو الطيب: و يستحب أن يزور النبي صلى الله تعالى عليه و سلم بعد أن يحج و يعتمر، و قال المحاملي في التجريد: و يستحب للحاج إذا فرغ من مكة أن يزور قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و تقدم قول أبي حنيفة (رضي الله تعالى عنه): الأحسن للحاج أن يبدأ بمكة، فإذا قضى نسكه مر بالمدينة إلى آخره.
و الحنفية قالوا: إن زيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه و سلم من أفضل المندوبات