وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٩١ - الفصل الثاني في بقية أدلة الزيارة، و إن لم تتضمّن لفظ الزيارة نصّا
لأصل الزيارة، أو أنه أراد تعليمه أن السلام يبلغه مع الغيبة لما رآه يتكلف الإكثار من الحضور.
و على ما ذكرناه يحمل ما ورد عن حسن بن حسن (رضي الله تعالى عنه)، بدليل قوله «إذا دخلت فسلم عليه» و لأن يحيى الحسيني روى في كتابه عن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جده أنه كان إذا جاء يسلم على النبي صلى الله تعالى عليه و سلم وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة، ثم يسلم، ثم يقول: هاهنا رأس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم).
قال المطري و غيره: و هذا موقف السلف قبل إدخال الحجر في المسجد. و سبق في الكلام على المسمار المواجه للوجه الشريف بيان الموضع الذي كان يقف عنده علي بن الحسين من جهة الوجه الشريف أيضا، و قال يحيى في أخبار المدينة له: حدثنا هرون بن موسى الفروي قال: سمعت جدي أبا علقمة يسأل: كيف كان الناس يسلّمون علي النبي صلى الله تعالى عليه و سلم قبل أن يدخل البيت في المسجد؟ فقال: كان يقف الناس على باب البيت يسلمون عليه، و كان الباب ليس عليه غلق، حتى هلكت عائشة (رضي الله تعالى عنها).
قلت: و كيف يتخيل في أحد من السلف المنع من زيارة المصطفى صلى الله تعالى عليه و سلم، و هم مجمعون على زيارة سائر الموتى، فضلا عن زيارته صلى الله تعالى عليه و سلم؟ و ما روي عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أنه قال «ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي صلى الله تعالى عليه و سلم، و كان يكره إتيانه» محمول على تقدير صحته على ما سيأتي عن مالك من كراهة الوقوف بالقبر لمن لم يقدم من سفر.
و قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا تجعلوا قبري عيدا» قال الحافظ المنذري: يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره صلى الله تعالى عليه و سلم، و أن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين، قال: و يؤيده قوله «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» أي لا تتركوا الصلاة فيها حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها، قال السبكي: و يحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتا مخصوصا لا تكون الزيارة إلا فيه، و يحتمل أيضا أن يراد لا تتخذوه كالعيد في العكوف عليه و إظهار الزينة و الاجتماع و غير ذلك مما يعمل في الأعياد، بل لا يأتي إلا للزيارة و السلام و الدعاء ثم ينصرف عنه.
قلت: و قد كانت الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) يقصدون النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل وفاته للزيارة، و هو صلى الله تعالى عليه و سلم حي الدارين، بل روى أحمد بإسنادين أحدهما