وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٩٠ - الفصل الثاني في بقية أدلة الزيارة، و إن لم تتضمّن لفظ الزيارة نصّا
و المستحبات، بل تقرب من درجة الواجبات، و كذلك نص عليه المالكية و الحنابلة، و أوضح السبكي نقولهم و سردها في كتابه في الزيارة، و لا حاجة إلى تتبع ذلك مع الإجماع عليه.
فإن قيل: روى عبد الرزاق أن الحسن بن الحسن بن علي (رضي الله تعالى عنهم) رأى قوما عند القبر، فنهاهم، و قال: إن النبي صلى الله تعالى عليه و سلم قال «لا تتخذوا قبري عيدا، و لا تتخذوا بيوتكم قبورا، و صلوا عليّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني» و روى أبو يعلى عن علي بن الحسين (رضي الله تعالى عنهما)، أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله تعالى عليه و سلم فيدخل فيها فيدعوه، فنهاه، فقال: أ لا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) قال «لا تتخذوا قبري عيدا، و لا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» و روى القاضي إسماعيل في الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه و سلم عن سهل بن أبي سهيل قال: جئت أسلّم على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و حسن بن حسن (رضي الله تعالى عنهما) يتعشى، و بيته عند بيت النبي صلى الله تعالى عليه و سلم و في رواية: رآني الحسن بن الحسن (رضي الله تعالى عنهما) عند القبر، و هو في بيت فاطمة (رضي الله تعالى عنها) يتعشى فقال: هلمّ إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال:
مالي رأيتك عند القبر؟ و في رواية: مالي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت أسلّم على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: إذا دخلت فسلم عليه و في رواية «إذا دخلت المسجد فسلم عليه» ثم قال: إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) قال «لا تتخذوا بيتي عيدا، و لا بيوتكم مقابر الحديث» ثم قال: ما أنتم و من بالأندلس إلا سواء.
قلنا: روى القاضي إسماعيل أيضا في فضل الصلاة على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بسنده إلى عليّ بن الحسين بن علي (رضي الله تعالى عنهم) أن رجلا كان يأتي كل غداة؛ فيزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه و سلم، و يصلي عليه، و يصنع من ذلك ما انتهره عليه علي بن الحسين، فقال له علي بن الحسين (رضي الله تعالى عنهما): ما يحملك على هذا؟ قال:
أحب التسليم على النبي صلى الله تعالى عليه و سلم، فقال له علي بن الحسين (رضي الله تعالى عنهما)، هل لك أن أحدثك حديثا عن أبي؟ قال: نعم، قال له علي بن الحسين رضي تعالى عنهما: أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) «لا تجعلوا قبري عيدا الحديث».
فهذا يبين أن ذلك الرجل زاد في الحد، فيكون علي بن الحسين (رضي الله تعالى عنهما) موافقا لما سيأتي عن مالك من كراهة الإكثار من الوقوف بالقبر، و ليس إنكارا