وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٧٢ - الخندق
و كان أول مشهد شهده مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، و هو يومئذ حر، فقال: يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حصرنا خندقنا علينا، فعمل فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و المسلمون حتى أحكموه، و كان أحد جانبي المدينة عورة، و سائر جوانبها مشككة بالبنيان و النخيل لا يتمكن العدوّ منها، انتهى.
فهذا الجانب هو الذي تقدم بيانه، و المراد بجعل ظهورهم إلى سلع من جهة الشام و المغرب، و ما ذكره المطري في مضرب القبة مردود كما بيناه في مسجد ذباب، و كأنه ظن لحصره الخندق فيما ذكره أن موضع مسجد الفتح هو المسمى بذباب؛ لأن الوارد أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) ضرب قبته على ذباب.
و في تفسير الثعلبي عن عبد الله بن عمرو بن عوف قال: خط رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) الخندق عام الأحزاب، ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعا، و استعاروا من بني قريظة مثل المعاول و الفؤوس و غير ذلك، و عمل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) بيده ترغيبا للمسلمين، و ربما كان يحفر حتى يعيا ثم يجلس حتى يستريح، و جعل أصحابه يقولون: يا رسول الله نحن نكفيك، فيقول:
أريد مشاركتكم في الأجر، و ذكر ما تقدم في الاحتجاج في سلمان، ثم قال: و كنت، أنا و سلمان و حذيفة و النعمان بن مقرن المزني في ستة من الأنصار في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى إذا كنا تحت ذي ناب فأخرج الله من بطن الخندق صخرة مرو كسرت حديدنا و شقت علينا، فقلنا: يا سلمان أرق إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و أخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب و إما أن يأمرنا فيها بأمر فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، فرقى سلمان إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو ضارب عليه قبة تركية فقال له ذلك، فهبط مع سلمان الخندق فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها، و برق منها برق أضاء ما بين لابتيها يعني المدينة- حتى لكأنّ مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) تكبير فتح، ثم ضربها الثانية، و ذكر مثل ما تقدم، ثم ضربها الثالثة فكسرها، و برق منها برق، و ذكر مثل ما تقدم، قال: فأخذ بيد سلمان و رقى، فقال سلمان: بأبي أنت و أمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط، فالتفت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى القوم فقال: أ رأيتم ما يقول سلمان؟
فقالوا: نعم يا رسول الله، قال: ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة و مدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، و أخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، و أخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها،