وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢٥ - الفصل الرابع في آداب الزيارة و المجاورة، و هي كثيرة
إكرامه عن حكم الجار و لو جار، و لا يزول عنه شرف مساكنته في الدار كيف دار، بل يرجى له أن يختم له بالحسنى، و يمنح ببركة هذا القرب الصوريّ قرب المعنى.
فيا ساكني أكناف طيبة كلّكم * * * إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
و منها: أن يتصدق عليهم بما أمكنه، فإنه مستحب كما ذكره النووي و ابن عساكر و غيرهما، و سبق ما يقتضي مضاعفة الصدقة بالمدينة، قال النووي في شرح المهذب:
و يخص أقاربه (صلّى اللّه عليه و سلم) بمزيد؛ لحديث زيد بن أرقم (رضي الله تعالى عنهما) أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «أذكّركم الله في أهل بيتي» رواه مسلم، و عن أبي بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه) موقوفا عليه قال: ارقبوا محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) في أهل بيته، رواه البخاري.
و منها: المجاورة بها فإنها مستحبة لمن قدر مع رعاية الأدب كما تقدم في ثاني فصول الباب الثاني عن النووي.
و منها: انشراح الصدر و دوام السرور و استمرار الفرح بمجاورة هذا النبي الكريم و الحلول بحضرته الشريفة، و الإكثار من الدعاء بالتوفيق بشكر هذه النعمة، مع قرنها بحسن الأدب اللائق بتلك الحضرة، و الرغبة إلى الله تعالى في جبر التقصير عن القيام بواجب حقها، و الاعتراف بالقصور عن حال السلف الماضين، و كثرة التفكر في حالهم و مناقبهم و آدابهم.
و منها: أن يزمّ نفسه مدة مقامه في ذلك المحل الشريف بزمام الخشية و التعزيز و التعظيم، و يخفض جناحه و يغض من صوته في ذلك الموطن الشريف العظيم، و يلحظ قول الله عز و علا إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات: ٣] و في صحيح مسلم عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) قال لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ إلى قوله: وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢] قال ثابت بن قيس: أنا و الله كنت أرفع صوتي عند رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم، و إني أخشى أن يكون الله تبارك و تعالى قد غضب عليّ، قال: فحزن و اصفر، قال: ففقده رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فسأل عنه، فقيل: يا نبي الله إنه يقول: أخشى أن أكون من أهل النار، قال: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجلا من أهل الجنة.
و في حديث أبي بكر الصديق (رضي الله عنه): لما نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ قال أبو بكر: آليت أن لا أكلّم رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم إلا كأخي السرار.