وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢٤ - الفصل الرابع في آداب الزيارة و المجاورة، و هي كثيرة
الركب، و لم أخرج إلى بقيع و لا غيره، و لم أر غيره صلى الله تعالى عليه و سلم، و قد كان خطر لي أن أخرج إلى البقيع، فقلت: إلى أين أذهب؟ هذا باب الله تعالى مفتوح للسائلين و المتضرعين، و ليس ثمّ من يقصد مثله.
قلت: و الحق أن من منح دوام الحضور و الشهود و عدم الملل فاستمراره هناك أولى و أعلى، و إلا فتنقّله في تلك البقاع أولى، و به يستجلب النشاط و دفع الملل، و لذلك نوّع الله لعباده الطاعات، و الله أعلم.
و منها: أن يلاحظ بعقله مدة إقامته بالمدينة جلالتها، و أنها البلدة التي اختارها الله لنبيه صلى الله تعالى عليه و سلم في الحياة و بعد الوفاة، و يستحضر تردّده صلى الله تعالى عليه و سلم فيها، و مشيه في بقاعها، و محبته لها، و تردد جبرائيل (عليه السلام) فيها بالوحي، فيحبها و سائر منازلها و أوديتها و جبالها، سيما ما أثبت له صلى الله تعالى عليه و سلم المحبة من ذلك.
و منها: أن لا يركب بها دابة مهما قدر على المشي، بل يؤثره على الركوب، كما رأى ذلك مالك (رحمه الله) تعالى؛ فإنه كان لا يركب بها دابة، و يقول: أخشى أن يقع حافرها في محل مشي فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم.
و في رواية عن الشافعي (رحمه الله) تعالى قال: رأيت على باب مالك كراعا من أفراس خراسان و بغال مصر، ما رأيت أحسن منها، فقلت له: ما أحسنها فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله، فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أستحيي من الله أن أطأ تربة رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم بحافر دابة.
و منها: محبة أهل المدينة و سكانها، و محبة مجاوريها و قطّانها، و تعظيمهم، سيما العلماء و الصلحاء و الأشراف و الفقراء و سدنة الحجرة و خدّامها، قال المجد: و هلم جرا إلى عوامها و خواصها، و كبارها و صغارها، و زراعها و جرافها، و باديتها و حاضرتها، كل منهم على حسب حاله و رتبته و قرابته و دنوه من قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و تربته، و تعظيمه لشعار دينه و شريعته، و قيامه بمصالح أمته و مناحج ملته، إلى من لا يبقى له مزية سوى كونه في هذا المحل العظيم، و جارا لهذا النبي الكريم، صلى الله تعالى عليه و سلم، و أخلق بها مزية أن يجلّ صاحبها، قال: و هؤلاء يثبت لهم حق الجوار، و إن عظمت إساءتهم فلا يسلب عنهم اسم الجار، و قد عمّم (صلّى اللّه عليه و سلم) في قوله «ما زال يوصيني جبرائيل بالجار» و لم يخصص جارا دون جار، قال: و كل ما احتج به محتج من رمي عوامهم بالابتداع و ترك الاتباع فإنه إذا ثبت في شخص مثلا لا يترك إكرامه، فإنه لا يخرج