المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١٠ - ٣٩٥- جرول بن مالك بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس
قال: فلما قال الحطيئة: ما ذا تقول لأفراخ، بكى عمر فقال عمرو بن العاص: ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء أعدل من رجل يبكي على تركة الحطيئة. قال عمر: أشيروا عليّ في الشاعر فإنه يقول الهجو و يشبب بالحرم و يمدح الناس و يذمهم بما ليس فيهم، ما أراني إلا قاطعا لسانه علي بكرسي، فجلس عليه ثم قال: عليّ بالمخصف عليّ بالسكين لا بل عليّ بالموسى فإنه أوجى، فقالوا: لا يعود يا أمير المؤمنين، و أشاروا إليه قل لا أعود، فقال: لا أعود، فقال: النجا، فلما ولّى قال: ارجع يا حطيئة، فرجع، فقال له: كأني بك عند شاب من قريش قد كسر لك نمرقة و بسط لك أخرى، [و قال: يا حطيئة غننا] [١] فاندفعت تغنيه بأعراض الناس، قال أسلم: فرأيت الحطيئة بعد ذلك عند عبيد اللَّه بن عمر قد كسر له نمرقة و بسط له أخرى و قال: يا حطيئة غننا، فاندفع يغنيه، فقلت له: يا حطيئة أ تذكر يوم عمر حين قال لك ما قال، ففزع و قال: رحم ١٢٧/ أ اللَّه ذلك المرء لو كان حيا ما فعلنا هذا، فقلت لعبيد اللَّه: إني سمعت/ أباك يقول كذا و كذا، و كنت أنت ذلك الرجل.
و بالإسناد عن محمد بن الضحاك، عن أبيه قال: أمر عمر بن الخطاب بإخراج الحطيئة من السجن فأخرج، فقال له: دع قول الشعر. فقال لا أستطيع. قال: لم؟ قال هو مأكلة عيالي، و نملة على لساني. قال: فدع المدحة المجحفة. قال و ما المدحة المجحفة؟ قال: لا تقول بنو فلان [٢] أفضل من بني فلان، امدح و لا تفضل. قال: أنت أشعر مني يا أمير المؤمنين. قال ابن الأنباري: ضرب النملة مثلا لما يتردد من قول الشعر في قلبه، و يطالب به لسانه.
و من مدائحه قوله:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم * * * من اللوم أو سدوا المكان الّذي سدّوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا * * * و إن عاهدوا أوفوا و إن عقدوا شدّوا
و إن كانت النعماء فيهم جزوا بها [٣] * * * و إن أنعموا لا كدّروها و لا كدّوا
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من أ.
[٢] في الأصل: بني فلان».
[٣] في الأصل: «جدوا بها».