المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣ - ٢٦٠- سلمان الفارسيّ، يكنى أبا عبد اللَّه
أعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فاته فإنه على أمرنا.
قال: فلما مات و غيب لحقت بصاحب عمّورية، و أخبرته خبري، فقال:/ أقم ٦/ أ عندي، فأقمت عند رجل على هدى أصحابه و أمرهم، و اكتسبت حتى كانت لي بقرات و غنيمة، قال: ثم نزل به أمر اللَّه عز و جل، فلما احتضر قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان، و أوصى بي فلان إلى فلان، و أوصاني فلان إليك، فإلى من توصي بي و ما تأمرني؟ قال: أي بني، و اللَّه ما أعلم أنه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، و لكن قد أظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرّتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية و لا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
قال: ثم مات و غيب، فمكثت بعمورية ما شاء اللَّه أن أمكث، ثم مر بي نفر من كلب تجارا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب و أعطيكم بقراتي هذه و غنمي هذه [١]؟ قالوا: نعم، فاعطيتموها [٢] و حملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود، فكنت عنده، و رأيت النخل و رجوت أن تكون البلد الّذي وصف لي صاحبي و لم يحق لي في نفسي.
فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له بالمدينة من بني قريظة فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فو اللَّه ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، و بعث اللَّه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم. فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق. ثم هاجر إلى المدينة، فو اللَّه إني لفي رأس غدق لسيدي أعمل فيه بعض العمل، و سيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال له فلان: قاتل اللَّه بني قيلة، و اللَّه إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعم أنه نبي [٣]. قال: فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، و نزلت من النخلة فجعلت أقول
[١] في المسند: «غنمتي هذه».
[٢] في الأصل: «فأعطيتهم إياها».
[٣] في المسند: «يزعمون أنه نبي».